دمشق ـ عمّار أبو عابد:
في عام 1982 جاءت الألمانية هايكا فيبر إلى سوريا مع زوجها الفلسطيني لتعيش في مخيم فلسطين جنوب دمشق، وعندما رأت الأثواب الفلسطينية التي تقوم النساء بتطريزها شغفت بها وبباقي المطرزات الفلسطينية، فما كان منها إلا أن قامت بتنظيم دورات للأشغال اليدوية لسيدات المخيم، لكن الفكرة كبرت وتطورت، وأصبح الزي الفلسطيني ومطرزاته الشعبية الملونة يسوق الآن في العديد من بلدان أوروبا وآسيا وأميركا، ويلاقي إقبالاً رغم ارتفاع أسعاره، وقد انعكس هذا التسويق في تطوير التعامل مع الأزياء الفولكلورية وتطويعها لتصبح زياً 'عصرياً' يمكن ارتداؤه في الأوقات العادية والحياة اليومية، كمظهر لإحياء الفولكلور والتمسك بالتراث، ولا سيما لدى الفتيات·
ما هي حكاية هايكا مع الثوب الفلسطيني؟
ما الذي جذبها إلى هذا العالم الغني بالرموز والحكايات؟
وكيف بدأت الحكاية وأين انتهت؟
التفاصيل ترويها هايكا نفسها في الحوار التالي:
تقول (هايكا) إنها دهشت أمام روعة الملابس الفولكلورية الفلسطينية، وما يزينها من تطريز، وكانت تتساءل: كيف كانت المرأة الفلسطينية تجد وقتاً لتقوم بأعباء المنزل والفلاحة وتربية الأولاد، ثم لتطرز الثياب التي تلبسها، وقد جعلها هذا السؤال تبحث عن سر التطريز عند النساء، مما دفعها في ما بعد للبحث في التراث الفلسطيني·
عودة الحياة
وتؤكد (هايكا) أنها بدأت العمل من فكرة إنقاذ التراث من المتحف، وإعادته للحياة، لأنها تعتبر أن المتحف هو مقبرة الحضارات، فأي شيء يوضع في المتحف لا يستخدم ويكون ميتاً· وبالنسبة للأزياء الفلسطينية النسائية فقد كانت تُلبس يومياً، أما اليوم فهي لا تلبس إلا في المناسبات، وهي حكر على الأغنياء والميسورين، ولهذا فقد انطلقت في عملها من صناعة أزياء مأخوذة عن التراث من حيث الرسوم والألوان ونوعية القماش، وتحديثها لتصبح معاصرة وصالحة للاستعمال اليومي·
؟ لكن··· هل تقبل الأزياء التراثية تقبل التطوير والتغيير؟
؟؟ إن التراث يتطور ويتغير دائماً، لأن ظروف الناس تتغير وتتطور، وبالنسبة للفلسطينيين، تغيرت أزياؤهم وفق العوامل الاقتصادية والسياسية، فقسم كبير منهم كانوا فلاحين، وعندما أكرهوا على الخروج من فلسطين واستقروا في الشتات، غير كثير منهم حرفته، فأصبحوا عمالاً، ولهذا فقد تغيرت حياتهم وملابسهم· وإذا دققنا في المئة عام الأخيرة، فسنرى أن التراث الفلسطيني قد تغير عدة مرات·
وتذكر هايكا إن أول تغير وقع كان جراء القوانين التي فرضتها الدولة العثمانية في فلسطين، حيث ملّكت الأراضي لشريحة من الناس، فأوجدت طبقتين في المجتمع: الإقطاع والفلاحين· وهنا بدأت النساء الفقيرات تطرز للفتيات، وبدأت المنافسة بين بنات الأغنياء على الأجمل، مما أثرى التراث بالغرزات والرسومات الجديدة· وهذا حال أي شيء يدخل إلى السوق، فينعكس عليه بالتجديد والإبداع والتطوير· أما التطور أو التغيير الثاني، فقد حدث اعتباراً من عام النكبة ،1948 لأن اللاجئين الفلسطينيين انتقلوا إلى مجتمعات جديدة، وعاشوا ظروفاً صعبة، مما أحدث تغيراً مهماً في نمط الملابس· أما التطور الثالث الملحوظ فقد بدأ مع قيام الثورة الفلسطينية في منتصف الستينيات من القرن الماضي، حيث بدأت المرأة الفلسطينية تشعر بثقة عارمة، فأصبحت تقدم نفسها كامرأة ثورية، وهذا ما انعكس في رسومات الأزياء، فأصبحت تعبر عن الثورة، أو تضم علماً فلسطينياً، أو صورة مسجد قبة الصخرة· وفي الوقت الراهن، فإن حالة الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية لا تزال قائمة، خشية من التذويب! مما يستدعي الحفاظ على نمطية الأزياء الفلسطينية التراثية بمزيد من الإتقان والمهارة·
حرير وأقمشة يدوية
؟ وماذا عن الخيوط والاقمشة وغيرها من عناصر العمل؟
؟؟ الأقمشة التي نستخدمها تغزل خيوطها، وتنسج يدوياً، فنحن نستخدم في مشغلنا القماش النجفي من العراق، وهو صوف مغزول ومحاك ومصبوغ يدوياً· كما نستخدم الحرير السوري الطبيعي الذي ينتج في حماه، حيث أن الفلاحين هناك يربون (القز) ويغزلون الحرير، وهناك أقمشة قطنية·
أما عن الغرزات وأنواعها، فتذكر أن (غرزة) الصليب، هي الغرزة الأساسية، ولها معنى قديم، حيث وجدت في الرسومات على جدران الكهوف القديمة· أما الغرزة الثانية المستخدمة فهي (المناجل)، وهناك أنواع كثيرة لها· وهي تستخدم بشكل عام لربط قطع قماش الثوب بعضها مع بعض، وهناك أيضاً (غرز) الدانتيلا، وهي موجودة بكثرة في دمشق وحلب، وهذه الغرزة تقوم على تسحيب بعض الخيوط من القماش، مما يشكل مربعات تخاط الغرز عليها، وتعطي شكلاً مميزاً·
اسم يعني الخصب
يحمل المشغل الذي تديره هايكا اسماً ذا اهمية خاصة عند الفلسطينيين، وله علاقة بتاريخهم القديم وهو 'عناة'، وعناة هي ربة الخصب عند الكنعانيين، وسميت أيضاً باسم 'عشتار' و 'عشتروت'، وتتعاون مع هذا المشغل 600 سيدة وفتاة يقمن بالعمل في منازلهن، ويحضرنه إلى المشغل·
وتقول هايكا: عندما بدأت بالمشغل عام 1988 كانت يتعاون معي حوالي عشرين فتاة، أما الآن فإن العدد في تصاعد مستمر، وكل من تأتي إلينا نؤمن لها فرصة التعلم والعمل· ومع ازدياد أعداد المتعاونات، بدأنا نلتفت نحو الأزياء التراثية السورية، ونقوم بجمعها ودراستها، وإعادة تصميمها بشكل حداثي·
وعن أهداف مشغلها تقول: إن الهدف الأول لمشغل 'عناة' هو المحافظة على التراث من حيث البحث عن غرزات قديمة، وتوعية الناس بأهميته، والسعي لأن نحيي الفولكلور ليتحول بعد عصرنته إلى لباس يومي للسيدات والفتيات· أما هدفنا الثاني فهو توفير فرص عمل للنسوة المحتاجات، واللواتي لا يستطعن ضمن الظروف الاجتماعية أن يغادرن منازلهن للعمل، أما هدفنا الثالث فهو أن نقيم علاقة وثيقة بالشعوب الأوروبية والأمريكية، وأن نطلعهم على التراث العربي، وهو ما يعطي صورة جيدة عن العرب، حيث لاحظنا كم يدهش الأوروبيون أمام الأزياء التي نقدمها من خلال المعارض التي نقيمها سنوياً خارج سوريا·