دمشق ــ عمّار أبو عابد:
تسحرك أم ماهر القضماني وهي تتحدث عن فوائد خبز الصاج الذي تصنعه مع عدد من النساء من دقيق القمح القاسي في قرية العفير من محافظة السويداء، وهي تركز بشدة على الأهمية القصوى لأن يكون الدقيق (راسه بعبّه) بحيث يضم كل محتويات حبة القمح ودون أية غربلة· وهي تطنب في الحديث عن الفوائد الصحية والغذائية لخبزها المنتج على أيدي نساء العفير· وفي المقابل تكشف عن عيوب وثغرات الرغيف العادي الذي تنتجه الأفران العادية، وتصفه بأنه (خالي الدسم)! لأنه لا يحتوي على العناصر الأساسية المكونة لحبة القمح، فكيف بدأت فكرة إعادة إنتاج رغيف الصاج عند أم ماهر؟ وكيف تطورت؟ وأين أصبحت الآن؟
بلهجتها القروية البسيطة والصريحة تتحدث أم ماهر عن خبز الأفران الآلية وكأنه (ضرَّتها)، وترى فيه ضرراً كبيراً للصحة، وتقول: إن القمح نبات يستحق التقديس، ونحن البشر نتناول الخبز يومياً، لكن قليلين منا يعرفون الفرق بين أنواعه المفيدة والضارة! وصرنا نعتمد على الخبز الآلي الذي فقد الكثير من العناصر الغذائية المتوفرة في القمح، بعد أن نزعت منه (العافية)، ونسي كثيرون منا الخبز العربي (هكذا تسمي خبز الصاج) الذي يحافظ على كل العناصر الغذائية والمفيدة في القمح، كما يتميز بطريقة عجنه وخبزه·
وعن تجربتها التي بدأت صغيرة ومتواضعة ثم توسعت وكبرت تقول: أوشك خبز الصاج على الاندثار من منطقتنا ومن السويداء، وبدأت منذ حوالي عشر سنوات أخبز لأسرتي فقط، لقناعتي بفوائد هذا الخبز وطعمه المميز، وبدأ الجيران يطلبون مني هذا الخبز، فلبيت طلباتهم، وبدأت بعشرين كيلو غراماً، ثم اتسع الطلب على خبزنا، فقد أصبحنا نخبز كميات توزع على كل مناطق محافظة السويداء، وقد جاء اتساع الطلب نتيجة لنصائح أطباء السويداء، بأن يتناول الناس هذا الخبز الطبيعي، وخاصة لمن يعانون من مشكلات في الهضم، أو نقص التغذية· وقد سمينا خبزنا باسم قريتنا (خبز العفير) تمييزاً له عما يتواجد في الأسواق من خبز صاج، يستخدم دقيق الأفران الآلية·
يدها مع يد الجارات
ولكن كيف تمكنت أم ماهر هذه المرأة القروية من تأمين كميات كبيرة من خبز الصاج لتوزع في محافظة السويداء، ثم لتمتد بعد ذلك إلى دمشق العاصمة ثم إلى محافظة حمص، حيث أصبح خبزها مشهوراً ومعروفاً؟· تقول: بعد توسع الطلب على خبز الصاج الذي نخبزه، تعاونت مع نساء من قريتنا، كن محتاجات للعمل، ويشكين من عدم حصولهن عليه، فتوسع عملنا، وأصبحنا قادرات على تلبية كل الطلبات حتى وصل خبزنا إلى دمشق وحمص·
وعن نظرة المجتمع والرجال خصوصاً إلى تجربتها تقول أم ماهر: في بيئتنا لا يوافقون كثيراً على عمل المرأة، لكني مع النساء اللواتي يعملن معي، انتصرنا على هذا التقليد السلبي، وقمت ببناء مخبز يصنع خبز الصاج القديم والذي يعتمد على القمح الكامل، ومن ناحية ثانية، فقد وفر لنا هذا العمل إمكانية تحسين أوضاع النساء المادية، وتشغيلهن بما ينعكس على أسرهن·
طريقة التحضير
تبدو أم ماهر فرحة كثيراً، وكأنها اكتشفت كروية الأرض للتو، عندما تجيب على سؤالنا عن الطريقة الخاصة التي تتم فيها (صناعة) خبز الصاج، فتقول: أولاً من الضروري استخدام القمح القاسي، لأنه يمتلك فيتامينات أكثر من القمح الطري، وبعد غسله وطحنه بمطاحن خاصة، يتم عجن الدقيق بالطريقة التقليدية اليدوية بالماء والملح والخميرة الطبيعية· وهنا تشدد على الخميرة الطبيعية وليس الصناعية! وتضيف: حيث نقوم بتلويحه حتى يصبح قطر الرغيف (85) سم، ثم نضعه على الصاج للحظات قليلة، فيصبح جاهزاً للأكل· ولا تنسى أن تبين لنا: أن الصاج عبارة عن قطعة معدنية مستديرة على شكل قبة، وقديماً كان يوقد تحتها الحطب، أما الآن فتوصل بعبوة غاز، وتشير إلى أن إنتاج (20) كيلو غراماً من الخبز يحتاج إلى ست ساعات عمل متواصلة·
فوائد صحية
وتتحول (أم ماهر) إلى ما يشبه الطبيب أو اختصاصي التغذية عندما نسألها عن فوائد خبز الصاج الذي تنتجه، وعن الفرق بينه وبين سواه، فتقول: إن القمح المستخدم في خبز الصاج، هو من النوع القاسي، ويطحن ويعجن كاملاً بقشره، بينما الخبز الآلي يستخدم لب القمح فقط، ويتخلى عن العناصر الأساسية والمفيدة في القمح، وربما لهذا السبب فإن خبز الصاج يصلح أكله حتى بعد مضي عشرة أيام على خبزه، بينما الأنواع الأخرى لا تزيد صلاحيتها على يومين ما لم توضع في الثلاجة·
ورغم أن أم ماهر متعلمة إلى درجة ما، فإنها تتحول إلى خبيرة عندما تتحدث عن الفوائد الصحية لخبز الصاج، فهي تستشهد أولاً بما قاله الطبيب السوري المشهور الراحل صبري القباني، وتقول: لقد طبعنا أقواله في خبز الصاج، وصرنا نوزعها مع الخبز حتى يتعرف الناس إلى الفوائد الطبية والصحية، كما أن طبيبة مشهورة من حمص، هي التي دعتنا لإرسال خبزنا إلى بلدها· وقد نصحت مرضاها بتناوله، وتعافى كثيرون بعد تناوله من أمراض هضمية عديدة·
مميزات قشر القمح
وحتى لا نشك في صحة ما تقوله، تورد لنا أم ماهر معلومات حفظتها عن ظهر قلب حول منافع خبز الصاج والقمح، فتقول مؤكدة: هذا الخبز هو خبز عربي يدوي مصنوع من القمح القاسي، ومطحون بمطاحن خاصة، لذا فإن الخبز الأسمر يتكون من دقيق حبوب القمح كاملة أي بأغلفتها وأجنتها وطبقاتها الداخلية·
وحين تقرأ أسئلة عيوننا، فإنها تسترسل في الشرح لتقول: تتألف حبة القمح من:
1 ـ غلاف خارجي يؤلف 9 % من وزن القمح، وهو ما يسمى بالنخالة، وتحتوي النخالة على الفيتامينات ب،1 ب ،2 ب3 ، والفيتامين ي، وغيرها، كما تحتوي أيضاً على الفسفور والحديد والكالسيوم والسيلكون واليود والبوتاسيوم والصوديوم والمغنزيوم·
2 ـ طبقة رقيقة تلي الغلاف الخارجي وتؤلف 3% من وزن الحبة وتحتوي على الآزوت·
3 ـ جسم حبة القمح وهو الطبقة الداخلية النشوية، وهي قوام الدقيق الأبيض الصافي·
4 ـ الرشيم أو جنين القمح، ويعتبر أغنى أجزاء الحبة بالفيتامينات والمعادن يليه في ذلك الغلاف الخارجي أي النخالة·
إن فائدة النخالة كما يقول الأطباء ليس لها حدود، فالنخالة التي تدخل في الخبز الأسمر ذات فوائد متعددة، وعلى سبيل المثال: إن غلي النخالة يفيد كمهدئ ضد السعال والزكام، وتفيد كمهدئ في حالات تقرحات المعدة وحالات الزحار المزمنة، ويفيد منقوع النخالة في إكساب الجلد رونقاً وبهاء، أما حبة القمح بكاملها فهي دواء شعبي ضد الالتهابات، والماء المنقوع فيه القمح ينقي الجهاز الهضمي من السموم·
وقبل أن نسأل (أم ماهر) عن مصادر معلوماتها، تبادرنا بالقول: ربما تريد سؤالي من أين أعرف كل هذه المعلومات؟· أنا طوال عشر سنوات أسأل وأستمع، حتى حفظت المعلومات الصحيحة عن خبز الصاج المصنوع من القمح، وفي كل يوم تتأكد معلوماتي وتزداد· فهذا الخبز يقي الإنسان من التهاب الأعصاب، كما أن وجود الفوسفور فيه يغذي الدماغ والأعصاب، ووجود الحديد فيه يعطي الدم قوة وحيوية، أما الكالسيوم فهو يبني العظام·
كما أن تناول خبز الصاج المصنوع من القمح بقشره يخلص الجسم من الخمائر لأنه يحوي فيتامين (أ) ويخفض معدل السكر في دم· أما اليخضور في عشبة القمح فيفيد في معالجة فقر الدم والتهاب الغشاء المعوي وتقيح اللثة، وأمراض البشرة، وتعمل مادة اليخضور على تنشيط عمل القلب والأوعية الدموية والأمعاء والرئتين·