القاهرة (الاتحاد)
خرجت دولة المماليك من رحم الدولة الأيوبية بعد أن دب الصراع الأسري بين الحكام الأيوبيين، دفعهم إلى استقدام خليط من أممٍ شتى عُرفوا بالمماليك، مكونين منهم عصبة تشد أزرهم وتعزز مكانتهم، فتلقى المماليك تربية متقنة على الفروسية وفنون الحرب والقتال، ووضع الخطط الحربية وحل المشكلات العسكرية، فأظهروا نبوغاً أتاح لهم الترقي إلى أرقى المناصب في الجيش وأعطاهم نوعاً من الهيمنة العسكرية، وأصبحوا الأداة العسكرية الوحيدة في بعض الدول الإسلامية مثل مصر والشام، منحهم أهمية قتالية مميزة لا يمكن الاستغناء عنها، فبدؤوا في تكوين كيان خاص بهم طمعاً في الاستئثار بشؤون الحكم، فأخذوا يزيدون من تدخلهم في الخلافة الأيوبية إلى جانب أمور القيادة والإدارة، فقوي نفوذهم حتى تمكنوا من تثبيت أقدامهم في الحكم، فقامت دولتهم خلال الفترة الواقعة بين منتصف القرن الثالث عشر وأوائل القرن السادس عشر الميلاديين، وامتد حكمهم على مدى قرنين ونصف، اشتهروا خلالها بحكامهم الأقوياء أمثال عز الدين أيبك وقطز والظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والناصر محمد الذين أقاموا دولة واسعة الأرجاء، وانتقل في عهدهم مقر الخلافة من بغداد إلى القاهرة التي اتخذوها عاصمة لهم.
انفرد التاريخ المملوكي بظاهرة العصبيات، فكان لكل سلطان عصبيته من المماليك السلطانية، ولكل أمير عصبيته من المماليك الذين ارتبطوا به ودانوا له، وبقدر ما تقوى عصبية السلطان ويزداد عدد مماليكه، بقدر ما يستطيع الصمود في وجه منافسات الأمراء ومؤمراتهم، وكان الأمير الأقوى يخلف سيده على العرش.
أسس المماليك أول جيش نظامي في العصور الوسطى، ومن أكثر الجيوش إعداداً ودقة وتنظيماً، دافعوا به عن الدين والأرض وأحرزوا انتصارات كبيرة، ترتب عليها تحصين الشرق الأدنى الإسلامي ضد اعتداءات المغيرين والمغتصبين، وقضوا على بقايا الصليبيين وأوقفوا الزحف المغولي على بلاد المسلمين.
حفلت حياة المماليك بثروة واسعة وثراء ضخم نتج عنه مظاهر البذخ والترف والأبهة، الذي نجم عن الازدهار الاقتصادي في الزراعة والصناعة والتجارة، فانعكس ذلك على الإنفاق بسخاء على العلماء، وعلى تشييد المؤسسات الدينية والعلمية، حيث زاد عدد المدارس والمساجد، وازدهرت هندسة العمارة، بالإضافة إلى البيمارستانات والخوانق، وأقبل المماليك على التعليم والتأليف والكتابة، وشهد عهدهم أغزر العصور الإسلامية في حقل الكتابة ومن أغناها في حقل التأليف، وحفل بقضاة ضربوا أروع الأمثال في الاعتداد بالرأي، وبمؤرخين أغنوا المكتبة الإسلامية بنتاجهم الغزير.
انتهت الفترة الذهبية للعصر المملوكي بوفاة المؤيد شيخ في العام 824 هـ.