السبت 14 مارس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

التجاذب الروسي الأميركي وملف إيران النووي

24 سبتمبر 2005

موسكو - رستم أحمد:
بذلت روسيا جهودا دبلوماسية مكثفة لمنع وصول الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، فقد كرس وزير الخارجية سيرغي لافروف عدة لقاءات مع نظرائه الأوروبيين على هامش الدورة اليوبيلية الستين للأمم المتحدة لبحث الملف النووي الإيراني، شدد الرئيس الروسي أثناء تسلمه أوراق اعتماد السفير الإيراني الجديد لدى موسكو على أن بلاده
(مستعدة لتطوير العلاقات مع إيران في المجالات كافة)، وقال للسفير غلام رضا أنصاري: إن موسكو (مرتاحة من أن القيادة الإيرانية تبادلنا نفس الموقف)·
وكان نائب الرئيس الإيراني غلام رضا أغا زاده الذي يترأس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية ، زار موسكو عشية قمة العالم وعبر عن تطلع طهران عن المزيد من المواقف الروسية
(الحازمة) لعرقلة جهود الولايات المتحدة الرامية إلى نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن· وجرى خلال الزيارة الإعلان عن تحديد موعد ليتجاوز نهاية العام القادم لتدشين محطة بوشهر الكهرذرية التي شيد مفاعلها النووي بمعونة روسية، وظلت موسكو تماطل في تزويده بالوقود النووي استجابة للضغوط الأميركية إلى إن جرى الإعلان اثناء زيارة رضا زاده عن موعد لتدشين المفاعل مما يعني أن موسكو قررت تزويده بالوقود النووي·
موسكو - تل أبيب - طهران
ويدخل الملف النووي الإيراني في أجندة العلاقات الروسية - الإسرائيلية التي شهدت تطورات متلاحقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ودخول إسرائيل بقوة إلى روسيا عبر اكبر عملية هجرة إلى الدولة العبرية من الجمهوريات السوفيتية السابقة وفي المقدمة منها روسيا حتى إن اللغة الروسية غدت اللغة الثانية في إسرائيل· ورغم انزعاج موسكو من تجاهل السلطات الإسرائيلية لطلبات القضاء الروسي المتكررة بتسليم مجرمين ومخالفين ماليين من يهود روسيا الذين هربوا مليارات الدولارات أنعشت الاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن المشاكل القضائية لم تؤثر على العلاقات، في حين شكل الملف النووي الإيراني العقبة كأداء إمام ما يعرف (بالشراكة) الروسية - الإسرائيلية التي تسعى لها المراكز المالية اليهودية في روسيا قبل غيرها· وفي كل زيارة يقوم بها رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى موسكو، يطرح الملف الإيراني على طاولة البحث، وتجدد تل أبيب مطالبتها موسكو وقف التعاون مع طهران التي يقول الإسرائيليون إنها تعكف على تصنيع السلاح النووي وان مفاعل بوشهر الذي يبنى بمعونة روسية يمثل خطرا على امن إسرائيل· وغالبا ما يرد الكرملين على المطالبة الإسرائيلية بالإشارة إلى إن برامج إيران خاضعة لرقابة (صارمة) من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وان موسكو لاترى فيها خطرا يهدد المنطقة وليس في نية روسيا تزويد طهران بالتقنيات التي تساعد في تصنيع القنبلة النووية ووسائل إطلاقها، ونظرات موسكو بانزعاج إلى قرار الإدارة الأميركية فرض عقوبات على 13 معهدا روسيا تؤكد واشنطن أنها سربت (تقنيات حساسة) إلى إيران·
دور مزدوج
ويشير المراقبون إلى أن موسكو تسعى لان تلعب دورا مزدوجا مع إيران، دور المحامي الدولي بوجه الهجوم الأميركي، ودور المفتش الذي يقنع الغرب وواشنطن بان برامج إيران النووية لن تصل بها إلى إنتاج القنبلة الذرية التي يقول الأميركيون إن طهران تقترب حثيثا من إنتاجها، ويلحظ المراقبون أن المصالح الروسية مع إيران تتجاوز التعاون النووي لأغراض الطاقة السلمية، إلى شراكة في مجالات الأمن والدفاع·
ويشار إلى أن الكرملين وزعيمه البراغماتي فلاديمير بوتين لن يفرط بعقود سلاح واعدة مع إيران وبمشاريع لبناء ستة مفاعلات نووية أخرى تصل كلفة الواحد منها إلى مليار دولار خلال عشر سنوات بما يوفر إمكانية عمل لمئات الخبراء والمهندسين والعمال الروس·
وفي نفس الوقت تستفيد روسيا من التعاون الإيراني في مجال الأمن والاستخبارات للسيطرة على منطقة القوقاز والتي يعترف الخبراء الروس بان لإيران عيون ومجسات ناشطة في دولها· ويذكر أن إيران لا تقدم الدعم للراديكاليين الإسلاميين في أسيا الوسطى (السوفيتية سابقا) أو في القوقاز، وتقدم للأجهزة الروسية معلومات عن نشاط المقاتلين الشيشان الساعين للانفصال عن روسيا· وتعد إيران (منطقة عازلة) من الجنوب بوجه أفغانستان حيث لعبت طهران دورا ملموسا في إسقاط نظام طالبان، وتخليص موسكو من عدو يدعم الحركة الانفصالية في جمهورية الشيشان·
الطوق
وتنظر الدوائر الروسية إلى الضغوط الأميركية على إيران بأنها جزء من لعبة كبرى تهدف إلى تصفية (شركة) عدوة أخرى بعد أن صفت واشنطن ( شركة العراق )، وتسعى إلى إسقاط كل المنافسين الإقليميين لإسرائيل وفي المقدمة إيران· ويلحظ الخبراء ان الولايات المتحدة تقوم بتطويق إيران من جهة الشمال الأمر الذي يفسر الزيارات المتتالية للمبعوثين الاميركان إلى تركمانيا التي ترتبط بحدود طويلة مع شمال إيران وآخرها زيارة رئيس القيادة الأميركية الوسطى جون أبو زيد إلى عشق أباد·
وتسربت تقارير مفادها أن أبوزيد اتفق مع الرئيس التركماني صبر مراد نيازوف على بناء قاعدة عسكرية ضخمة على الحدود مع إيران، مقابل أن تغض واشنطن الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في الجمهورية السوفيتية السابقة التي كرس فيها (تركمان باشا) اللقب الذي يطلق رسميا على (أبوالأمة التركمنستانية) نيازوف، وحكم الفرد وسن دستورا يبقيه في سدة الحكم مدى الحياة·
وكانت أوزبكستان طالبت قبل شهر الولايات المتحدة سحب قاعدتها العسكرية من منطقة (خان آباد) اثر الاضطرابات التي شهدتها المناطق الجنوبية، وحامت الشبهات حول دور أميركي في زعزعة حكم الرئيس إسلام كريموف، ويعتبر القرار الاوزبيكي ضربة للاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى تطويق إيران بقواعد عسكرية لكبح طموحات ملالي قم النووية·
ويرى الخبراء في نقل القاعدة العسكرية إلى تركمانيا مخرجا مناسبا· والمعروف أن عشق أباد لم تدخل في تحالفات أمنية مع روسيا خلافا للجمهوريات السوفيتية السابقة في أسيا الوسطى، وتتمتع تركمانيا بوضع جغرافي يوفر للاستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة ظروفا مناسبة لفرض الرقابة على العمق الإيراني·
القنبلة المزعومة
فيما يؤكد معهد لندن الدولي للدراسات الاستراتيجية أن إيران ستتمكن خلال بضع سنوات من امتلاك أسلحة نووية، فان الخبراء الروس يشككون في قدرة طهران على حل المسائل الفنية الضرورية لتصنيع القنبلة النووية وفي مقدمتها؛ إنتاج اكبر كمية ممكنة من المواد المشعة، وتصنيع رأس للقنبلة التي يقول الغربيون لدى إيران برامج سرية لإنتاجها· ويرى فريق من الخبراء الروس بالشؤون الإيرانية، أن تصريحات الرئيس الإيراني احمدي نجاد المتشددة، لاتمثل في الواقع إصرارا إيرانيا على الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، قدر ما تعكس رغبة ملالي إيران في ابتزاز الأسرة الدولية على طريقة كوريا الشمالية التي تسعى إلى مساومة الغرب بالتخلي عن برامجها النووية مقابل مساعدات اقتصادية مجزية·
ويرى الخبراء أن إيران لا تلوح بالقنبلة النووية المزعومة بوجه إسرائيل، بل تريد فرض السيطرة على الخليج العربي والحصول على اكبر المكاسب من سقوط العراق تحت الاحتلال الأميركي· وثمة من يرى في وصول الأحزاب الشيعية إلى سدة الحكم في بغداد، يعتبر اكبر هدية أميركية لطهران، مما يدفع إلى الاعتقاد بان التشدد الإيراني لا يعدو عن مزايدة في ( بازار) السياسة الدولية· وان واشنطن التي دخلت في شراكة مع موسكو، ستجد في الكرملين عونا على مراقبة برامج إيران النووية التي ستبقى في حدود الخطوط المسموح بها· ويلاحظ المراقبون أن البيت الأبيض اتبع سياسة النفس الطويل مع طهران في حين استعجل الزمن لتسديد ضربة إلى العراق بناء على مزاعم، اتضح أنها غير صحيحة عن امتلاك نظام الرئيس المخلوع صدام حسين، برامج لأسلحة الدمار الشامل· وينظر إلى طول النفس الأميركي مع طهران بأنه مؤشر على أن واشنطن وحليفتها تل أبيب، تنتظر تطور الموقف الإيراني في ضوء تقاسم النفوذ مع ملالي ثم في العراق ويعتمد ذلك في الكثير على نجاح المشروع الأميركي الذي يبدو متعثرا على خلفية تصاعد العنف في العراق واحتمال فشل التصويت على الدستور الذي قد ترفضه الأغلبية العربية على الرغم من حماس الأحزاب الشيعية الطائفية لبنوده· ويسود الاعتقاد بان تداعيات الوضع العراقي ستلقي بظلالها على تعامل واشنطن مع ملف إيران النووي الذي نجحت موسكو وبكين في إبعاده - الوقت الراهن- عن مجلس الأمن الدولي وحصره في الوكالة الدولية للطاقة الذرية من منطلق مصالح اقتصادية قبل أن تكون سياسية، وفي حال حقق المشروع الأميركي نجاحا في العراق بدعم الأحزاب الشيعية الموالية لإيران في بغداد، فان (الإشعاعات) الخطيرة المنبعثة من ملف إيران النووي على دول الخليج العربية، لن تصل إلى تل أبيب بإرادة أميركية قبل كل شيء·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©