الإثنين 18 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
اقتصاد

البنوك الإسلامية·· مخالفات شرعية في ممارسات المرابحة والإجارة والمشاركة

30 سبتمبر 2005

حسن القمحاوي:
أكدت دراسة حديثة حول دور البنوك الإسلامية في التنمية الاقتصادية نجاحها في تعبئة المدخرات الصغيرة وتحقيق العدالة في توزيع الدخل وتوظيف الموارد بشكل أفضل من البنوك التقليدية، وقال معد الدراسة الدكتور عبد الرحمن يسري أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الاسكندرية في مصر إن البنوك الإسلامية نجحت في استحداث أدوات تمويلية مشتقة من عقود المرابحة والإجارة والمشاركة ساهمت في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في وقت حجبت فيه البنوك التقليدية التمويل عنها، وطالب بتطوير أدوات التمويل بتلك البنوك لتتوافق مع الشريعة الإسلامية والاتجاهات المصرفية الحديثة والتوسع في عقود الاستصناع لخدمة الصناعة الوطنية وتمويل صغار الصناع ، وقدم عددا من الاقتراحات لإحياء المضاربة وبيع السلم والإجارة المنتهية بالتمليك كنشاط تمويل إسلامي·
واستعرض د·عبد الرحمن يسري عددا من الملاحظات المرتبطة بعمل البنوك التقليدية محددا إياها في أنها لا تبالي إذا ما كانت المشروعات التي تمولها تقوم بإنتاج سلع وخدمات تجيزها الشريعة الإسلامية أو تحرمها، وتفتقر لآليات أو سياسات تمكنها من إعطاء ميزات تمويلية للمشروعات التي تسهم في التنمية، أو تقديم ميزات تمويلية خاصة لرجال الأعمال أصحاب الأنشطة الإنتاجية مقارنة بمن يقترضون منها لأغراض المضاربات المالية في الداخل والخارج، وربما يترتب على ذلك إفساد حالة أسواق الأوراق المالية أو تهريب الأموال إلى الخارج·وانتقل بعد بيان عورات البنوك التقليدية إلى طرح إمكانات البنوك الإسلامية في المقابل من خلال أربعة فروض نظرية تمثلت في أنها أكثر قدرة على تجميع الأرصدة النقدية القابلة للاستثمار، وأكثر قدرة على توزيع المتاح من الموارد النقدية على أفضل الاستخدامات لأغراض التنمية، وأنها من خلال توزيع الموارد المالية على أسس الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية تسهم بشكل مباشر في توزيع الدخل القومي على نحو عادل مما يحقق عدالة التنمية الاقتصادية التي لا تبالي بها المؤسسة المصرفية الربوية ، وأخيرا تشجع السلوك الإيجابي الدافع للتنمية·
لإثبات صحة الفرض الأول أشار د· عبد الرحمن إلى أن الأبحاث الاقتصادية أثبتت أن تغيرات سعر الفائدة لا تؤثر في الحجم الكلي للمدخرات وعقب البعض على ذلك بضرورة التفرقة بين سعر الفائدة النقدي وسعر الفائدة الحقيقي مدعين بأن الثاني وليس الأول هو المؤثر الفاعل على حجم المدخرات ، إلا أن أبحاثا أخرى تمت لاختبار العلاقة بين تغيرات سعر الفائدة الحقيقي والادخار في البلدان النامية أثبتت أن العلاقة ضعيفة جدا أو غير معنوية في معظم الحالات ، أما بالنسبة للبنوك الإسلامية فإن آلية المشاركة التي تعمل بها تعني أنها ليست مؤسسة وسيطة بين المدخرين كفريق مستقل والمدخرين كفريق آخر، بل هي وسيط بين من يريدون استثمار مدخراتهم ورجال الأعمال الراغبين في تمويل لمشروعاتهم على أساس المشاركة·
وأضاف: بينما ينتظر المدخرون من البنوك التقليدية 'فائدة' على أموالهم، ينتظر المدخرون المستثمرون في البنوك الإسلامية عائدا على أموالهم نتيجة استثمارها، والعائد ربح ودخل يتحدد مقداره تبعا لنجاح المشروع ويرتبط مباشرة بالنشاط الإنتاجي وربما يكون منخفضا أو مرتفعا وعادة ما يجد المستثمر حافزا أكبر كلما توقع ربحا أكثر وهو ما لا يتحقق في إطار نظام الفائدة لأنه في الغالب تكون هناك قيود على ارتفاع سعر الفائدة يضعها البنك المركزي لأهداف اقتصادية كلية وقيود أخرى تمارسها البنوك نفسها في إطار السياسات الائتمانية والمقدرة الوفائية ، ومن هنا فإن معدلات الربحية في ظل آليات المشاركة التي توفرها البنوك الإسلامية تتغير بمرونة أكبر بكثير من أسعار الفائدة في إطار عمليات التمويل بالدين ومن ثم فهي أكثر قدرة على جذب المدخرات لأغراض الاستثمار ·
وأشار - في إطار إثباته لصحة الفرض الأول - إلى أن التجارب المصرفية الغربية أثبتت أن نظم التمويل التي تعتمد على المال المخاطر تلقى رواجا أكثر من النظم المقيدة بسعر الفائدة ، والشركات المساهمة الناجحة بمؤشرات الربحية الموزعة تتمكن عن طريق إصدار الأسهم من جذب ما تريد من مدخرات الأفراد لتغطية احتياجاتها وإحدى وسائل جمع المدخرات في البنوك الإسلامية يتمثل في إصدار شهادات إيداع تتداول في أسواق الأوراق المالية وتحصل في نهاية العام على نصيب من الأرباح المحققة نتيجة الاستثمار في أنشطة إنتاجية حقيقية، فضلا عن قدرتها على تجميع المدخرات الصغيرة جدا مقارنة بالبنوك التجارية·· وتساءل : هل تتوافر هذه المقدرة للبنوك الأخرى؟
وهم الفائدة
وفي سياق إثباته للفرض الثاني قال د· عبد الرحمن يسري أن الشائع والمتوهم بين الناس أن نظام الفائدة يعمل كمصفاة تستبعد المشروعات الأقل كفاءة وتستبقي فقط الأعلى عائدا لأنها الأكثر قدرة على دفع الفائدة المطلوبة منها، ومن ثم فإنها تحصل على النصيب الأكبر من قروض البنوك، أما المشروعات التي يقل مستوى العائد فيها عن سعر الفائدة فإنها لن تحصل على شيء من البنوك، والجزء الأخير فقط هو الصحيح وفقا لنظرية الكفاءة الحدية للاستثمار، فحينما ينخفض معدل العائد المتوقع على مدى عمر المشروع الاستثماري عن سعر الفائدة يصبح الاقتراض من البنك أمرا غير مرغوب فيه على الإطلاق أو مغامرة فاشلة من بدايتها·
لكن هل صحيح أن المشروعات 'الأعلى عائداً' تحصل على أكبر قدر من التمويل المصرفي القائم على الفائدة؟ من الجهة النظرية وجود سعر فائدة سائد في السوق المصرفي يعني أن جميع المشروعات التي تتوقع عائدا فوق هذا السعر ستكون 'راغبة' في الاقتراض، لكن الأمر ليس بهذه البساطة لأن الحصول على الائتمان المصرفي لا يتحدد فقط برغبة المشروعات وإنما أيضا بالقدرة على ذلك، يضاف إلى ذلك أن البنوك التجارية تتخير عملاءها وفقا لمعيار الملاءة المالية، وهي لا تعبأ في المقام الأول بمن يحقق العوائد الأعلى أو العوائد الأقل·
وأوضح أن البنك الإسلامي لا يعتمد على قاعدة الملاءة المالية في توزيع موارده النقدية على مشروعات تريد قروضا ولأجل تعظيم أرباحه 'الحلال' لابد أن يعطي تفضيلا في عمليات التمويل للمشروعات الأعلى عائدا، ومن ثم فإن آلية المشاركة من حيث المبدأ تختلف عن آلية سعر الفائدة الجاري في القدرة على توزيع الموارد النقدية تبعا لمعدلات العوائد المتوقعة، وإذا كان البعض يعتقد أن إدارة سعر الفائدة يمكن أن تؤدي إلى نتائج أفضل بالنسبة لقدرة الجهاز المصرفي الربوي على توزيع الائتمان على أفضل الاستخدامات الممكنة·· فإن العكس هو ما حدث لأن لهذا السعر آثاراً متضاربة على الاقتصاد القومي والنشاط المصرفي ولا يمكن تحريكه بمرونة لأعلى أو أسفل لأغراض توزيع الائتمان المصرفي على نحو أفضل، والبنك المركزي مقيد في تحريكه لسعر الفائدة بأوضاع الدين العام الداخلي وميزان المدفوعات، وإذا تم رفعه لأجل تنمية الودائع أدى هذا إلى آثار غير ملائمة لمن يقترضون للاستثمار، كما أدى إلى مزيد من التحيز في توزيع الائتمان المصرفي لصالح كبار العملاء على حساب صغارهم وتفضيل شركات القطاع العام على شركات القطاع الخاص·
وأشار إلى أن آليات المشاركة لا تواجه كل صعوبات نظام الفائدة ولا تؤدي إلى كل مشكلاته ولكنها تستلزم شرطا أساسيا هو ألا يطالب البنك الناس بعوائد عن رؤوس أموالهم بينما هم يرفضون تحمل مخاطرة استخدامها في النشاط الإنتاجي·
عدالة التنمية
أما الفرضية الثالثة القائلة بقدرة البنوك الإسلامية على تحقيق العدالة في التنمية والدخل القومي فيثبتها د· يسري بقوله إنه تبين من تجارب التمويل المصرفي أن كبار العملاء يستأثرون بمعظم التمويل، وبالتالي يزدادون ثراءً وحجماً في المجتمع، في حين أن المصرفية الإسلامية تفتح بابا جديدا للخروج من هذا المأزق باعتمادها على جدوى المشروع وخبرة صاحبه، وبالتالي تفتح الطريق أمام توزيع أفضل للدخل، وربما يكون صحيحا تحقيق التنمية الاقتصادية في بعض الحالات حينما تقاس بمعدلات نمو الدخل القومي، أو بمتوسط الدخل للفرد، لكن بالتوزيع الفعلي للدخل القومي يتبين أن متوسط الدخل الفردي لفئة كبيرة من السكان لم يرتفع، بل ربما انخفض نتيجة سوء توزيع الدخل·
وفي إثبات الفرض الرابع يقول د· عبد الرحمن: نظام الفائدة يلعب دورا سيئا في تشجيع السلوك السلبي وتوزيع الدخل على نحو غير عادل بين الكسالى أو النائمين ومن يواجهون مخاطر النشاط الإنتاجي، وتسبب منذ إقراره في نمو أعداد الفئة الخاملة من الناس التي تعيش على اكتساب دخل من تأجير نقودها من دون أن تنتج فعليا، مما يعني توزيع دخل الأعمال الإنتاجية بشكل بعيد عن العدالة والكفاءة بعكس نظام المشاركة الإسلامي·
ويؤكد أن البنك الإسلامي ضرورة ماسة لتصحيح الأوضاع واعتماده على المشاركة لا يعني فقط إسهامه ايجابيا في تحقيق عدالة توزيع الدخل، وإنما في تنمية السلوك الايجابي للأفراد اللازم لتنمية اقتصادية صحيحة، أو بعبارة أخرى فإن آليات المشاركة تدفع الجميع للمساهمة في النشاط الاقتصادي بعكس آليات النظام الربوي ·· وفي هذا الصدد ذكر أحد التقارير التي صدرت منذ نحو أربعين عاما عن لجنة ملكية بريطانية أن زيادة نسبة عدد الشركاء النائمين يمثل أحد العوامل الخطيرة في الحد من النمو الاقتصادي·
تطوير الأدوات
وعن مدى الحاجة إلى تطوير آليات وأدوات التمويل المصرفي الإسلامي يقول د· يسري إن الممارسات العملية للبنوك الإسلامية أظهرت أنها تمكنت من اختراق أسوار النشاط المصرفي التقليدي واستطاعت بآلياتها وأدواتها المستحدثة أن تُدخل في دائرة النشاط فئات من المدخرين وأصحاب المشروعات لم يكن لها نصيب فيه قبل ذلك، خاصة فئة المدخرين الذين يرفضون التعامل بالفوائد أو أصحاب المدخرات الصغيرة والمتوسطة، من جهة أخرى أتاحت تلك البنوك تمويلاً لم يكن متاحا من قبل لأصحاب المشروعات الصغيرة والقزمية، ولعل أبرز التجارب في التمويل الصغير تجربة بنك فيصل فرع أم درمان، وبنك 'جرامين' في بنجلاديش وهناك تجارب أخرى عديدة ناجحة في إندونيسيا وماليزيا ومصر والأردن·
ورغم ذلك يرى د· يسري أن نجاح البنوك الإسلامية في خدمة التنمية لن يتحقق إلا بشروط ثلاثة هي: التطوير المستمر لآلياتها وأدواتها التمويلية، ورفع كفاءة تعبئة واستخدام الموارد التمويلية بما ينعكس على أرباحها المحققة، وزيادة إسهاماتها التنموية اقتصاديا وبشريا·
وطرح ملامح رئيسية لتطوير الأدوات التمويلية الإسلامية مشيرا إلى أن البنوك الإسلامية اعتمدت صيغة المرابحة في معظم تمويلها، وانتقد الصيغة بأنها أشبه بالتمويل القائم على الفائدة، رغم أن البنك يقوم بتمويل شراء سلعة للعميل ويضيف هامشا من الربح على قيمة السلعة ولا تجري مضاعفته بأي حال إذا تأخر العميل عن سداد دينه في وقته بعكس التمويل بالفوائد، ويقول: رغم ذلك بعض البنوك ترتكب بعض الممارسات الخطأ في التطبيق، ولا يتصور أنها عشوائية أو بسبب جهل الأجهزة الإدارية فقط، لكن هناك فجوة نظرية في هذه الصيغة المستحدثة التي اشتقت من 'المرابحة' ·
ولأجل تصحيح المسار ذكر د· يسري أمرين أولهما: خلط بيع المرابحة، وهو أصلا بيع حاضر، بالبيع الآجل في صيغة المرابحة للآمر بالشراء علماً بأن الأخير له شروطه الفقهية الدقيقة وإلا اختلط بالربا، أما الثاني فترتب على قيام البنك الإسلامي إما بتوكيل العميل لشراء السلعة الممولة بالمرابحة بنفسه أو تكليف إدارة المشتريات بجلب السلعة مع وضع شروط تفسد عقد البيع من الجهة الشرعية·
تسويق المنتجات
واقترح أن يتخلى البنك الإسلامي عن القيام بعمليات الشراء للسلع المطلوب تمويلها بصيغة المرابحة ووضع السلع في مخازنه ثم تسليمها للعميل بعد أن يكتب عقدا مسبقا يلتزم فيه بالشراء·· وبدلا من ذلك يتفق مع عدد من شركات تسويق المنتجات على أن يقوم بتحويل طلبات عملائه الراغبين في الشراء بالمرابحة إليها، ويسهم هذا في توفير مزايا خاصة من جهة السعر، وحيث أن المرابحة من بيوع (الأمانة) فإن العميل سوف يطلع على السعر الخاص الذي تبيع به الشركة للبنك وهو منخفض عن سعرها في السوق، ويجري الاتفاق بين العميل والبنك على الربح الذي يشترطه الأخير على سعره ويفضل أن يكون علاوة مقبولة وصغيرة فوق سعر السوق، وربما تصاغر هذا الفرق إلى الصفر أحيانا، وليس كما هو الحال الآن حيث تقترب علاوة السعر أو هامش الربح في عمليات المرابحة إلى ما يقرب من سعر الفائدة في البنوك التقليدية، مما يثير الشبهات، ويجري بعد ذلك قيام إدارة المرابحة في البنك بطلب السلعة من الشركة وتحديد وقت ومكان تسليمها إلى العميل فإذا لم يجدها مطابقة ردت إلى الشركة الأصلية من دون أي إزعاج للبنك ·
ويرى د·يسري أن عمليات الإجارة التي تقوم بها البنوك الإسلامية والمسماة بالإجارة المنتهية بالتمليك تتشابه كثيراً مع عمليات البيع أو الشراء التأجيري التي تتم بنظام الفائدة، كما أن عقدها يخلط بين شروط الإجارة وحقوق التملك، واقترح أن تتوسع البنوك الإسلامية في نشاط الإجارة اعتماداً على أساليب جديدة يمكن التأكد من جوازها شرعاً وكفاءتها اقتصادياً مع ملاءمتها للواقع العملي مثل قيام البنك بتكوين شركات متخصصة لممارسة نشاط الإجارة، ويأتي الاقتراح لعدم مناسبة احتفاظ البنك أو قيامه بالاستثمار بشكل مباشر في عقارات أو أراضٍ أو آلات ومعدات إلا في حدود نسبة صغيرة من موارده المتاحة، إضافة إلى أن الشركات سوف تتمكن من التوسع بمرونة كافية في عمليات الإجارة كلما كانت مربحة بعكس البنك·
ويمكن أن يقوم البنك بطرح صكوك متخصصة (صكوك إجارة) لتمويل الشركات المزمع إنشاؤها، على أن يكون للبنك حصة فيها في حدود ما تسمح به اللوائح أو القوانين المنظمة للأعمال المصرفية عموماً، ومن الممكن للبنك أن يجتذب ببيع الصكوك جمهور العملاء الراغبين في ذلك مع الأخذ في الاعتبار ضرورة وجود دراسات جدوى تسبق تكوين الشركات·
ويرى د· يسري أن ثمة تطويراً آخر ضرورياً لعمليات المشاركة المتناقصة وان اختفلت في مضمونها مع عمليات الإجارة إلا أنها تتشابه كثيرا معها من جهة الممارسات العملية للبنوك الإسلامية، ويمكن لهذه العمليات أن تسهم كثيراً في التنمية من خلال دراسة البنك لجدوى المشروع المقدم إليه وتقسيم رأسمال المطلوب إلى أسهم يقوم أصحاب المشروع بشراء نسبة لا تقل عن 20% منها ويسهم البنك بنسبة صغيرة (2% إلى 5%) ، ويعرض الباقي للبيع لعملائه، ويكون إصدار الأسهم على أساس شروط المشاركة المتناقصة، بما يعني أن أصحاب المشروع سيقومون بمشاركة البنك وبقية المساهمين في الأرباح المحققة بما يجري الاتفاق عليه، ثم يقومون بإعادة شراء 80% من الأسهم لدى شركائهم في مدى زمني يتفق عليه، ويشترط أن تتاح المعلومات الكاملة للعملاء المساهمين عن الشركات قبل قيامها ومشاركتهم في مناقشة أعمالها، وإعادة تقييم الأسهم عند استرداد المساهمين قيمتها حسب أسعارها السوقية·
عقود الاستصناع
وعن الأداة الثالثة من أدوات التمويل الإسلامية وهي عقد الاستصناع يقول د· عبد الرحمن يسري إنه لم يستخدم إلى الآن بشكل ملحوظ رغم أهميته البالغة في جميع البلدان، ومعنى الاستصناع عموماً أن يطلب شخص من صانع أن يصنع له سلعة بكمية ومواصفات محددة بمواد من عنده نظير مبلغ معين، وجمهور المذاهب يجمع على أنه عقد بيع إلا أنه ذو طبيعة خاصة ويجوز فيه تعجيل الثمن عند العقد أو تأجيله، ويمكن استناداً إلى عقد الاستصناع أن يقوم البنك بدور الوساطة بين شركة كبرى خاصة أو عامة أو هيئة من الهيئات الحكومية تطلب تسليم سلع معينة محددة المواصفات بمقادير معينة في تاريخ آجل، فيقوم بتمويل الطرف الأخير الذي يتعهد بتسليم السلع المتعاقد عليها، ويقوم البنك بتسليمها إلى الجهة الطالبة مقابل الثمن المتفق عليه، وتتيح هذه الوساطة المصرفية فرصة لتحقيق الربح طالما أن تكلفة الاستصناع تقل عن الثمن الذي يحصل عليه البنك عند تسليم البضاعة للجهة الطالبة، وتمثل تكلفة الاستصناع نوع التمويل الذي يقوم به البنك من أموال أصحاب الأرصدة الاستثمارية أو من أمواله، ومن الممكن تحقيق أرباح مناسبة طالما تحركت الإدارة بحرص في عمليات الوساطة بعد دراسات وافية عن إمكانات الصانع والتزامه الدقيق بالعقد وشروطه من ناحية والمقدرة الوقائية للجهة الطالبة (المشتري النهائي) من ناحية أخرى، ويلاحظ أن دور البنك الإسلامي مازال محدوداً للغاية إلى الآن في هذا المجال·
أما بيع السلم كأداة تمويل إسلامية فيقول عنها د·يسري : 'عقد السلم (أو السلف) على عكس البيع الآجل، ويعني دفع ثمن السلعة عاجلاً للبائع وتسلم المشتري لها منه آجلاً·· ولا خلاف بين الفقهاء على جوازه على أن تحدد مواصفات السلعة بدقة ويكون السعر والأجل معلومين للطرفين، وحينما يقوم البنك بعمليات بيع السلم فيجب أن يكون وسيطاً فيها لا أكثر، لأنه ليس تاجراً يشتري لغرض التجارة في حد ذاتها، لذلك فإن بيع السلم سيكون مصدر إيرادات للبنك إذا أمكن القيام بالتعاقد مع بعض المنتجين (البائعين) على شراء بضاعة منهم بمواصفات محددة وبثمن معين وبشرط تسلمها في تاريخ آجل محدد، والتعاقد في الوقت نفسه على بيع هذه البضاعة في التاريخ المحدد سلفاً بثمن أعلى من ثمن الشراء (السلم الموازي) وتسهل العملية كلما كانت هناك أسواق منظمة للتعاقد والتسليم الآجل، ويعتبر ثمن الشراء الذي يدفعه البنك بمثابة تمويل للمنتجين (البائعين) الذي يتعهدون بتسليم بضاعة آجلاً·
ويضيف : بيع السلم يمكن أن يحتل، كصيغة لاستخدام الموارد التمويلية للبنك، مكانة أهم من بيع المرابحة الآجلة، إذا أديرت عملياته بكفاءة ويلاحظ أن معظم ربح البنك من عمليات السلم سوف تتحقق كلما زاد الفرق بين ثمن الشراء من المنتجين وثمن البيع للبضاعة في سوق العقود الآجلة وكلما تضاءل الفرق الزمني بين تاريخ تسلم البضاعة من المنتج وتاريخ تسليمها للمشتري النهائي·
وأضاف: درجة المخاطرة في بيع السلم تتعاظم كلما قلت الثقة في مقدرة البائع بالسلم على تسليم البضاعة بالمواصفات المطلوبة أو في التاريخ المحدد، أو كلما تعذر على البنك إجراء التغطية اللازمة في سوق العقود الآجلة للبضاعة المسلم فيها أو تعذر التنبؤ باتجاهات الأسعار المستقبلية لها، ولذلك فإن الإدارة الناجحة لعمليات السلم من قبل البنك تستدعي تقليل هذه المخاطرة إلى حدها الأدنى الممكن ونرى أنه من الأفضل أن يستعين البنك في عمليات السلم بخبراء أو وكلاء أو شركات متخصصة في عمليات البيع والتسليم الآجل·
واقترح أن يعتمد البنك الإسلامي على عمليات بيع السلم بشكل خاص في مجال التجارة الخارجية (التصدير والاستيراد)، ومن الممكن عن طريق وكلاء متخصصين أو شركات أن يجري الاتفاق مع أعداد كبيرة من منتجي سلعة تصديرية معينة أن يتم شراء إنتاجهم في تاريخ لاحق بمواصفات وكميات محددة على أن يتم إجراء عمليات بيع سلم لمستوردي السلعة في خارج البلاد في نفس التاريخ·
مضاربة جماعية
وتناول د· يسري عقد المضاربة باعتباره أكثر العقود أهمية مشيراً إلى أن البنوك الإسلامية اعتمدت منذ قيامها عليه لتعبئة الأموال القابلة للاستثمار، بعد أن تم تطويره إلى ما يسمى بالمضاربة المختلطة أو الجماعية حتى يتلاءم مع الأعداد الكبيرة من العملاء، وأظهرت الممارسات المصرفية الإسلامية أن صيغة المضاربة الجماعية أو المختلطة نجحت نجاحاً كبيراً في تجميع الموارد التمويلية ولكنها ظلت محدودة جداً في استخدامات هذه الموارد، وتردد معظم مديري البنوك الإسلامية في الاعتماد على عقود المضاربة في استثمار الموارد التمويلية مفضلين صيغاً أخرى لأن معظمهم كان من العاملين في بنوك تقليدية، واعتادوا إقراض العملاء المتمكنين مالياً والمعروفين لديهم بالإضافة إلى أخذ الضمانات المالية اللازمة كلما لزم الأمر·
ولمعالجة القصور النظري في نظام المضاربة اقترح د· يسري أمرين، الأول: وضع أسس موضوعية وشرعية للثقة في العميل وأمانته وخبرته بواسطة دراسات جدوى فنية موضوعية·
أما الاقتراح الثاني فيرتبط بتهيئة موارد تمويلية أكثر ملاءمة لها بإصدار شهادات أو صكوك مضاربة مخصصة لمشروعات معينة على أن تكون قابلة للتداول في سوق الأوراق المالية ولا يجوز استرداد قيمتها نقداً مرة أخرى بل تصفيتها بالزيادة أو بالنقص عند انتهاء عمل المشروع أو بعد خمس سنوات مثلاً أيهما أنسب، ومن حق أصحاب الصكوك التعرف إلى المركز المالي للمشروع في كل سنة والحصول على نصيبهم من الأرباح حسب الشروط المعلنة عند الإصدار·
وقال: يختلف الاقتراح السابق في مضمونه وتفاصيله عما هو قائم الآن في ممارسات بعض البنوك الإسلامية، فشهادات المضاربة المصدرة الآن غير مخصصة لمشروعات معينة وإنما هي مرتبطة بمجموع الموارد التمويلية على أساس صيغة المضاربة المختلطة، كذلك فإن شهادات المضاربة المصدرة قابلة للاسترداد من البنك المصدر لها بنفس قيمتها، إما عند الطلب أو بعد عدة سنوات، ويلاحظ أن التعهد يرد قيمة هذه الشهادات 'بنفس قيمتها' يلقى شبهة على تطبيق مبدأ المشاركة في الغنم والغرم خاصة أن الشهادات تتلقي ربحاً دورياً في نفس الوقت·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©