(1)
بدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قصيدته بجملة «ليل الإمارات». والحديث عن الليل في الشعر العربي، قديمه وحديثه، حديث طويل ومتشعب، لكنه بالمجمل حديث مملوء بالشجن. فليل امرئ القيس كموج البحر أرخى سدوله، وليل النابغة بطيء الكواكب، يمر ثقيلاً مملوءاً بالخوف، والعراق عند أبي الطيّب «طويل الليل»، وحلب كذلك تبدو مؤرقة الليل، بل إنّ الليل يبدو قتيلاً في درب القلة، يقول:
لقيت بدرب القلة الفجر لقية
شفت كبدي والليل فيه قتيل
ولا تكاد تختلف صورة الليل عند جبران خليل جبران إلا في رومانسيتها وحزنها الشفيف، وهو ما فعلته نازك الملائكة في ديوانها «عاشقة الليل». ونتطلع دوماً أن يديم على الإمارات ليلها الجميل الآمن ونهاراتها العذبة، ويجعل أيامها بيضاء، مملوءة بالمحبة والتسامح، فمن الخير يولد الخير.
براعة الاستهلال
يكاد صدر البيت الأول، في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يمحو تلك الصور أو يشكل لوناً من القطيعة المعرفية مع معانيها، فليل الإمارات يبدو على النقيض من ذلك الليل مليئاً بالفرح والأنوار والألوان والألحان:
ليلُ الإماراتِ أفراحٌ وألحانُ
وفي سماها منَ الأنوارِ ألوانُ
يجيء البيت الأول مثالاً على حسن الابتداء أو براعة الاستهلال. وحسن الابتداء، أو براعة المطلع: هو أن يأتي الكلام رقيقاً سهلاً، واضح المعاني، يجذب السامع إلى الإصغاء. قال ابن رشيق: إن حسن الافتتاح، داعية الانشراح ومطيّة النجاح. وتزداد براعة المطلع حسناً إذا دلّت على المقصود بإشارة لطيفة. وليس من شكّ في أنّ التصريع في البيت الأول ليس مجرد حلية، بل إنه يجيء للدلالة على حالة الفرح الغامرة. ولعل هذا التوازي بين أفراح وألحان من جهة، وأنوار وألوان من جهة أخرى، يؤكد كون النص الشعري تجسيداً لهذا الفرح.
في البيتين التاليين تكتمل ملامح الصورة الفاتنة التي ألمح البيت الأول لها:
بَدَتْ بحُلَّتها الخضراءِ فاتنةً
وقَدْ تفتَّحَ بالنُّوَّارِ بُستانُ
والرِّيحُ سَجْسَجُ والبيداءُ قافيَةٌ
ربوعها بجميلِ الوَردِ تزدانُ
وهذه الصورة الفاتنة لا تقتصر على الليل، بل تنتقل منه لتشمل الإمارات التي بدت مزدانة باللون الأخضر. واللون الأخضر مرتبط بالحياة، وهو في التصورات الشعرية مرتبط بالبدايات الجديدة، وبالكثرة، والصحة الجيدة، وبالأرض الخصبة، وبالنقاء، وبالتفاؤل، وبالقوّة، والنشاط، والحيويّة، والخير، والسلام، بالإضافة إلى الحبّ.
قال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ). «سورة الرحمن: الآية 76»
ولا يقتصر الأمر على اللون، بل تراه يمتد للريح التي جاءت سجسجاً، أي لا حرّ فيها ولا برد، وإلى البيداء التي جاءت كقافية مزروعة بالورد. ويلفت النظر أن يتم تشبيه البيداء بالقافية، ويجيء ذلك لأهمية البيداء في الثقافة العربية التي يشبه حضورها حضور القافية في القصيدة. فالقافية تنهض بدور أساسي في القصيدة، لا يقل أهمية عن الوزن، بل إنّ وضوحها السمعيّ، وبروزها الصوتي، جعلا منها ملمحاً كاشفاً، ومعلماً دالاًّ، بحيث تطلق القافية ويراد بها القصيدة، أو القوافي ويراد بها الشعر، وعادة ما يشبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الخيل بالشعر والقوافي، وهو تقليد عربي أصيل، يقول أبو الطيب:
قواف إذا سرن عن مقولي
وثبن الجبال وخضن البحارا
شعرية عذبة
إنّ البيت الرابع يبين الكيفية التي تتنامى القصيدة فيها، فالأبيات الثلاثة الأولى تصف حالة شعرية عذبة، ثم تشرع القصيدة في تعليلها:
وكيفَ لا وهيَ في عُرسٍ قدِ احتَفَلَتْ
بأحمدٍ ثُمَّ مكتومٌ وحمدانُ
وهو ما يعرف في البلاغة العربية بحسن التعليل، وفيه يتغاضى النص صراحة أو ضمناً عن العلة المعروفة، ويأتي بعلة أخرى لها اعتبار لطيف، وتنطوي على دقة النظر. وليس من شك في أنّ ما قدمه البيت من تعليل يبين أسرار ذلك التحول، ومن المؤكد أن ذكر أسماء أنجاله الكرام يؤدي إلى تعميق هذا السياق، فهو حدث استثنائي جميل بفرسانه أحمد ومكتوم وحمدان. فأما الترتيب، فإن عبقريته تكمن في أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قد جعل فرحته متساوية، فأعطى أحمد الصدارة، ومكتوم كان واسطة العقد، وحمدان انتظمت به القافية وشكلته، فالسعادة من أجل الجميع تتساوى لديه على درجة واحدة، كما أنه قد أجاد في الترتيب من حيث العمر، من الأصغر إلى الأكبر ليخدم القافية.
وإذا كانت البداية تقدم الجمال وتصف بعض معالمه، فإنها تعود لتبين هذه المعالم بعد أن أفصحت عن أسرار هذا الجمال:
فَكُلُّ ركنٍ بهِ عطرٌ وأغنيَةٌ
وكلُّ روضٍ بهِ روحٌ وريحانُ
أيَّامُ أنسٍ بدَتْ تجلي محاسنها
كالبَدرِ والأنجمُ الزَّهراءُ نيشانُ
تاهَتْ علىَ الغيدِ في حلٍّ وفي حُلَلٍ
وأنحَلَّ منْ حُلَلِ الظلماءِ مرجانُ
تمتاز الصور بهندسة جمالية لافتة، فهي تقوم على ثنائيات عذبة، تجمع بين الرائحة والصوت (عطر وأغنية) وروح وريحان كما جاء في الآية الكريمة: (فروح وريحان وجنة نعيم)، «الواقعة، 89» التي تجمع بين الفرح ورائحة الريحان، والبدر والأنجم الزهر وتتكئ على هذا التلوين الصوتي في البيت الثالث الذي تتكرر فيه الحاء واللام على نحو يقدم معاني شتى في لفظ متشابه.
الجمالي والقيمي
إنّ جمال الحدث وما فيه من ألق وسعادة لم يجعل محمد بن راشد يتوقف عند الجمالي ويدع الجانب القيمي. فمحمد بن راشد معلم وقائد وشاعر، وفي كتاباته يمتزج الثلاثة على نحو فريد متناغم، لهذا كان الانتقال إلى البعد القيمي ضرورياً وطبيعياً.
أنجاليَ الصِّيدُ أبناءُ العُلا درَجوا
علَى الشَّهامَة مُذْ كانتْ ومذْ كانوا
ربّيتكمُ وسوادُ الليل يشهَدُ لي
كما تُرَبِّي صقورَ الجوِ عقبانُ
وصغتكمْ بيميني صَوغَ ذي أدَبٍ
فصرتُم اليومَ للعلياءِ فرسانُ
علَّمتكُمْ أنْ تكونوا في العلا شُهباً
تَنْقَضُّ إنْ عُرِّضَتْ للظَّيمِ أوطانُ
وكان كل مرادي أن أجهزكم
للمجد إذ كان للأجداد ميدان
حديث الشاعر القائد المعلم لأنجاله يقطر حباً وحكمة وجمالاً ورسائل. فالنص يستخدم كلمة الصيد، وهي جمع أصيد وتعني الملوك، ليعدد بعدها كيف نشأ هؤلاء الأنجال منذ نعومة أظفارهم على الشهامة والعلا والمجد، وكيف تربوا على عين والدهم، فهم ثمرة تربية صارمة وجهد عظيم، ولما كانوا أبناء نسب نبيل ومحتد عظيم، فقد جمعوا الحسب والنسب وعراقة الأصل وشرف التنشئة. وكل ذلك يتنامى في سياق للوطن ورموزه فيه نصيب الأسد. فالوطن أولاً وأخيراً.
وقد كان النص يشير إلى أبي الطيب وهو يقول:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وسواد الصبح يغري بي
ويومئ إلى بعض أبيات نونية أبي البقاء الرندي التي تتحدث عن الفرسان:
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيُوفَ الهندِ مرهفةُ
كأنها في ظلام النقع نيران
الحضور والوصايا
تتوقف القصيدة في المقطع الأخير عن النهج الذي اتبعه القائد الشاعر المعلم في تربية أنجاله. وهو نهج يضع الوطن ورموزه في المقدمة، مثلما يضع الوطن فوق كل اعتبار:
ومنهجي كان في تلقينكم وطني
وحب شعبي فحب الشعب برهان
وكان زايد تاريخا أدرسه
لكم وأنعم به للمجد عنوان
ولتلزموا نهج آباء لكم سلفوا
فجدكم راشد والمجد أقران
يحضر الشيخان زايد وراشد ليضفيا على المناسبة حضوراً رائعاً يربط الحاضر بالماضي مثلما يعقد الصلات الخالدة بين أبوظبي ودبي وبين بقية الإمارات الحبيبة. بعد هذا الحضور، تتجلى مجموعة من الوصايا التي ينبغي أن تدون بماء الذهب والتي ينبغي أن تكون بمثابة خريطة طريق للشباب في الإمارات وفي العالم العربي.
وإذ وصلتم مواصيل الرجال
وفي سن الرجولة تأسيس وبنيان
واليوم أكمل جهدي إذ أزوجكم
وبالزواج يتم الدين والشان
فأكرموا من لهن الحق واحترموا
زوجاتكم فالهدى بر وإحسان
ولتلزموا نهج آباء لكم سلفوا
فجدكم راشد والمجد أقران
وعاملوا الناس بالمعروف
واتخذوا بطانة الخير إذ للخير أعوان
لكم أبارك من قلبي وأنصحكم
نصيحة من أب يحدوه إيمان
بأن تكونوا بقلب واحد أبدا
بذاك يمتد طول الدهر سلطان
يقع احترام الزوجة على رأس الوصايا وهو يؤكد صفة الفروسية التي يصدر عنها الشاعر المعلم، مثلما يؤكد ما وصلت إليه المرأة الإماراتية من مكانة مرموقة سعى زايد للوصول إليها منذ بدايات حكمه. أما بقية الوصايا فتؤكد أننا إزاء قيادة حكيمة تتوارث التقاليد النبيلة كابراً عن كابر.
(2)
لا يرسل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رسائل على صعيد المضمون فحسب، بل يفعل ذلك على صعيد المبنى الشعري. ففي الشعر العربي قصائد نونية على الوزن والقافية نفسيهما، كقصيدة ابن الرومي:
أجنتْ لك الوجدَ أغصانٌ وكثبانُ
فيهنّ نوعان تفاح ورمّانُ
وقصيدة أبي البقاء الرندي التي أشرنا إلى بيتين منها، ونونية شوقي عن دمشق:
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا
مشت على الرسم أحداث وأزمان
لقد رسمت قصيدة محمد بن راشد أجواء احتفالية هي أقرب إلى نونية ابن الرومي من حيث الاحتفاء بالحياة، وهي قصيدة مرموقة احتفى بها العقاد والمازني وأشارا إلى ما فيها من تشخيص وتوليد للمعنى. وإذا كانت نصوص محمد بن راشد الشعرية تحتفي بالحياة وتحتفل بها، فإنها مثل كل النصوص العظيمة لا تغفل عن وجهها الآخر. لهذا ترى القصيدة تقول بعذوبة ما قاله الشاعر العربي:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى
خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماحُ إذا اجتمعْنَ تكسّرا
وإذا افترقن تكسّرت أفرادا