الأربعاء 29 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مع رسول الله في رمضان: المعايشة مع القرآن الكريم

5 أكتوبر 2005

القاهرة ـ أحمد محمود:
'كان خلقه القرآن'، هكذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها عن رسول الله 'صلى الله عليه وسلم'، ومنذ نزل جبريل عليه السلام بالقرآن على رسول الله في ليلة القدر، وهو يعايشه ويواظب على قراءته ومدارسته مع جبريل ومع صحابته رضوان الله عليهم·
ولكن ماذا عن شهر رمضان وكيف كان يتعامل فيه رسول الله 'صلى الله عليه وسلم' مع القرآن؟
حول هذا الجانب من حياة رسول الله في رمضان، يقول د· عزت عطية أستاذ الحديث بجامعة الأزهر:
نزل القرآن في شهر رمضان 'شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان'· وابتدأ نزوله في ليلة القدر 'إنا أنزلناه في ليلة القدر'ز ومنذ بدء نزول القرآن بدأ إشراقه على العالم في جميع مجالات العقيدة والسلوك، وفجر آفاقاً من العلم، فنشطت أعمال العقول وانتقلت الأمة من جمود إلى حركة فكرية وأنشطة عملية في جميع آفاق الحياة·
وقد ارتبط الرسول 'صلى الله عليه وسلم' في رسالته بما ينزل من القرآن حكماً وتوجيهاً وعبادة في الصلاة وغيرها، ولكن شهر رمضان بالذات تميز على غيره من الشهور بتفرغ كامل من الرسول 'صلى الله عليه وسلم' للتعايش مع القرآن تلاوة ومراجعة وقياماً بالليل وتطبيقاً بالنهار·
ومن خصائص التعايش القرآني في رمضان، أن جبريل عليه السلام كان يشارك الرسول 'صلى الله عليه وسلم' في تلاوته في الليل وفي مدارسته، فيقرأ على الرسول 'صلى الله عليه وسلم' والرسول يستمع، أو يقرأ الرسول وجبريل عليه السلام يستمع· و هذه المشاركة العملية في التعايش مع القرآن ربطت بين أهل السماء وأهل الأرض، فنقل الرسول 'صلى الله عليه وسلم' إلى جبريل أنوار القرآن من حيث آثارها في الأرض، وللآية القرآنية تأثير هائل في أحوال أهل الأرض، قال تعالى 'وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون'·
ويوضح د· عزت عطية أن هذا التفاعل بين القرآن والخلق لا يتصوره جبريل عليه السلام، لأنه ليس من أهل الأرض، فإذا تحدث الرسول 'صلى الله عليه وسلم' عن هذه العلاقة بالنسبة لآية واحدة، فأن الليل كله لا يكاد يتسع للكلام على هذه الآية· ويقول: وعندما يتحدث جبريل عن تأثير الآية القرآنية في آفاق السموات وما تشتمل عليه من أسرار وأنوار، فلا تكاد الليلة تتسع لما يقوله جبريل، فإذا آن الإفتراق في آخر الليل، ازداد الشوق إلى اللقاء في الليلة التالية، وظهر أثر المدارسة القرآنية في عمل الرسول 'صلى الله عليه وسلم' وتوجيهاته النبوية، فوجد الصحابة من الأسرار والأنوار ما لم يكن لهم به عهد قبل ذلك، وكذلك الأمر بالنسبة لجبريل مع أهل السماء·
ويقول د· عزت عطية: وكان الصوم من الرسول 'صلى الله عليه وسلم' في نهار رمضان مصحوباً بتعايشه مع القرآن في الليل، فهو صوم يرقي بصاحبه في مجالات التدين كل لحظة من اللحظات· ومن هنا كان قوله 'صلى الله عليه وسلم': 'من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه' وقوله: 'فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امريء قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك'، فكأنه لمعايشته القرآن في رمضان جعل الصوم مغيراً للطبيعة الإنسانية، بحيث يصير ما يستقذر منها عادة أطيب من ريح المسك·
وكان هذا تعبيراً عما وجده الرسول 'صلى الله عليه وسلم' من أثر الأرتباط بين القرآن وصوم رمضان، وكان 'صلى الله عليه وسلم' يتعايش مع القرآن في كل لحظة من شهر رمضان بقلبه، فإذا كان العشر الأواخر في رمضان أيقظ أهله وأحيي ليله وعمل بقوة وهمة على أن تشاركه زوجاته في المعايشة القرآنية في ليل رمضان، لتنعكس أنوار المدارس القرآنية مع جبريل على أهل بيته الكرام في هذه الليلة المباركة·
ويلفت د· عزت عطية إلى أن الصحابة استشعروا الأنوار القرآنية المتلألئة في بيت النبوة في ليالي رمضان، فسمع بعضهم صوت النبي 'صلى الله عليه وسلم' بالقراءة والتكبير في صلاة الليل فاقتدي به واجتمع معه اخرون، فخرج الرسول 'صلى الله عليه وسلم' فصلى بهم في ليلة ثم في ليلة ثانية وامتنع من الخروج في الليلة الثالثة، فظلوا ساهرين إلى الصباح فلما اجتمعوا في صلاة الفجر قال: 'قد علمت مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم'·
ويضيف د· عزت عطية أن هذا الموقف يدل على أن أنوار المعايشة القرآنية لا تنتقل بالمجاورة المادية بل بالمجاورة القلبية، فالمسافات المكانية والفواصل الزمنية تحكم الأجسام المادية ولا تتأثر بها القلوب أو النفوس الإيمانية، ومن هنا كان القرآن في رمضان بالنسبة للرسول 'صلى الله عليه وسلم' خيراً وبركة عليه خاصة بما ينتج عنه من علم وهدى ونور تمثل في دور السُنة النبوية المرتبطة بتفسير القرآن وبيانه· وكان القرآن في حياة الرسول 'صلى الله عليه وسلم' بالإضافة إلى ذلك خيراً وبركة على الأمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم كان خيراً وبركة على الإنسانية جميعها بما ظهر في القوانين والسلوكيات والنشاط الإنساني من تغيير إلى الأرقى والأحسن·
ويختم الدكتور عزت عطية حديثه عن هذا الجانب القرآني في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان، بقوله: 'على المسلم ان يراقب حاله في رمضان بالنسبة للقرآن، فهل يتلذذ بقراءته أو يرتقي بمعايشته أو يستشعر الارتباط بالرسول 'صلى الله عليه وسلم' معه؟· وهل تنفتح على قلبه وفكره أسرار وأنوار من القرآن فيزداد فهماً وعلماً ويترقى في العمل والسلوك أو ينقبض قلبه عنه ويغلق دونه فلا يكون صومه إلا جوعاً وعطشاً ومعاناة مادية لا أثر لها في أحوال القلوب؟!
فإذا كان من أهل المعايشة القرآنية فليبادر إلى الدعاء لان دعاءه في هذه الأحوال مستجاب·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©