الإثنين 2 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

انجيلا ميركل امرأة فوق السياط

18 أكتوبر 2005

السعد عمر المنهالي:
لا أدري إن كان المستشار الألماني 'جيرهارد شرودر' قد سمع بنصيحة الفيلسوف الألماني 'فريدريك نيتشه': (عندما تذهب للنساء خذ معك سوطك)، قبل أن يتوجه للقاء زعيمة الحزب المسيحي الديموقراطي، أم لا!!· غير أن الأكيد أن كل الأسلحة التي ذهب بها المستشار الألماني لم تجد نفعا في إثناء 'انجيلا ميركل' عن حلمها بأن تكون أول امرأة تتقلد منصب المستشارية في ألمانيا، وهو ما تأكد تقريباً بعد الاتفاق المبدئي بين الديموقراطي المسيحي والديموقراطي الاشتراكي في العاشر من أكتوبر الجاري ·2005
بين الفيزياء والسياسة
ولدت ' أنجيلكا دوروتيا كاسنر' في السابع عشر من يوليو عام 1954 بـ'هامبرج' أحد مدن ألمانيا الشرقية، لأم مُدرسة وأب قسيس من الطائفة البروتستانتية، انتقلت الأسرة الصغيرة بعد فترة قصيرة للعيش في جمهورية ألمانيا الغربية حيث تولى والدها أبرشية 'تمبلن' بولاية 'براندنبورغ'، في حين انشغلت والدتها بالسياسية فانضمت إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي· ورثت 'انجيلا' عن والدتها اهتمامها السياسي فالتحقت بمنظمة 'شباب ستالين' بعد انتهائها من دراستها الثانوية، ويبدو أن توجهها المبكر للسياسة لم يؤثر على مسيرتها العلمية، فدرست الفيزياء وحصلت على درجتها الجامعية من جامعة 'لايبزغ'، ثم عملت كباحثة في المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية في أكاديميّة برلين الشرقية للعلوم وفي عام 1986 حصلت على درجة الدكتوراة·
لم يكن لـ'انجيلا' أي نشاط سياسي معارض ضد النظام الحاكم في ألمانيا الشرقية، هذا ما يجعل الكثيرين يرون أنها دخلت السياسة من باب الصدفة، فكان أول نشاط سياسي رسمي لها -وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها- بعضويتها عام 1989 في الحزب الديموقراطي 'اوفبرتش' الذي مثل عدداً من جماعات المعارضة· وفي الحزب كانت 'إنجيلا' المتحدثة الإعلامية له، غير أن الحزب لم يستمر طويلا فأنهار أمام الخلل الذي أصاب ألمانيا الشرقية نتيجة الطريقة التي دخلت فيها القيم الرأسمالية اقتصاد السوق، فتحركت الجماعات المعارضة نحو حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي 'سي دي يو' في أغسطس عام ·1990 وعن هذا التحول تدافع عنه 'إنجيلا ميركل' بأنه لم يأت صدفة وإنما نتيجة أهداف حددتها في توجهها السياسي الجديد أولها رغبتها القوية في دخول البرلمان ومساندتها لاقتصاد السوق الحر ودعمها للوحدة الألمانية'·
الفتاة المطيعة
سطع نجم 'إنجيلا' سريعاً في أروقة الحزب، فأجادت مناورة معارضيه، فاعجب المستشار 'هيلموت كول' زعيم الحزب ورئيس الحكومة الألمانية بالشابة المطيعة لدرجة أنه كان يناديها 'فتاتي' وهي في منتصف الثلاثينات· فكانت النجمة الجديدة بمثابة دعاية ناجحة للحزب في الشطر الشرقي لألمانيا، وهو ما دفعه لاختيارها على رأس وزارة الشباب وشؤون المرأة عام 1991 حتى 1994 في حكومته الفيدرالية، وبعد أشهر قليلة فازت في انتخابات الحزب لتصبح نائبة لرئيس حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي لمدة أربع سنوات· وصفت مواقف 'إنجيلا' السياسية بالرجعية لتعصبها ضد حق الإجهاض وإصرارها على استمرار الاعتبار لدرجات السلوك في السجل الدراسي للطلاب وبقاء مادة علم الأنساب في المدارس، هذا بالإضافة الى دعوتها إلى احتفاظ المرأة الألمانية باسم عائلتها·
تسلمت 'إنجيلا' وزارة البيئة عام 1994 حتى ،1998 غير أنها لم تحاول تجنب عداء جماعات الخضر بسبب توجهها العلني المؤيد للصناعات النووية ودعمها استخدام القوة للحفاظ على المكتسبات النووية لألمانيا، الأمر الذي دفع الجماعات مراراً إلى مطالبتها بالاستقالة· وفي هذه الأثناء عرف عنها قدرتها على الصمود أمام المصائب وعدم اكتراثها للفضائح السياسية· هذا ما بدا جلياً في تعاملها مع الفضيحة التي لحقت بحزبها وداعمها الأول المستشار 'كول' بخصوص الفساد وتلقي رشاوٍ وتبرعات مشبوهة·
فقد كان خطها السياسي بدأ قبل الفضيحة يبتعد شيئا فشيئا عن الأب الروحي 'كول'، وكانت أول من انتقد سياسته أمام الجميع الأمر الذي طهر سجلها ورفع من اسهمها أمام مؤيدي الحزب بعد الفضيحة السياسية التي لحقت به، وبعد الفضيحة تعاملت بمهارة لكي تنقذ الحزب وتنأى به عن ممارسة قادته، فطالبت 'كول' أن يكون واضحاً وشجاعاً وأن يكشف ملابسات هذه الفضيحة التي لم يشهد الحزب مثلها في تاريخه·
وفي ديسمبر عام 1999 أصبحت من أهم الشخصيات الرئيسية في الحزب، وفي مارس عام 2000 اعتلت 'أنجيلا' منصة رئاسة حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي باقتراع نسبته 96 بالمائة أمام تصفيق استمر لدقائق طويلة، لتصبح أول امرأة في تاريخ ألمانيا تترأس حزباً بهذا المستوى والتاريخ السياسي الكبير -حكم ألمانيا 16 عاماً متتالياً- رغم الفضيحة التي لحقت به·
ضاعف هذا الثقل السياسي للحزب من سطوع النجمة 'أنجيلا' خاصة، بعد نجاحها في إخراج الحزب من مأزقه الأخلاقي والعبور به من ورطة لم يشهد الحزب مثلها في تاريخه· وكان هذا البريق لـ'أنجيلا' دافعاً لهدف أكبر، فشهد نهاية عام 2001 عام إصراراً منها لتكون أول سيدة تنافس على منصب المستشار في المانيا، وحاولت لهذا كسب تأييد قيادات حزبها لكي ترشح نفسها أمام المستشار 'جيرهارد شرودر' في الانتخابات، غير أنها لم تفلح بسبب تزايد التأييد الحزبي لخصمها 'ادموند شتويبر' الذي دخل انتخابات سبتمبر عام 2001 ولكنه لم يفز بمنصب الاستشارية·
يبدو من مسيرة 'انجيلا' عدم اكتراثها لكل انتماءاتها وتوجهاتها السابقة، فقد اعتبرت بمثابة ثورة ثقافية للحزب المسيحي، كونها امرأة بروستانتية صغيرة ومطلقة قادمة من شرق ألمانيا، ولهذا كان لمرونتها وتكيفها مع الواقع بمنطقية سببين لتحقيق طموحها وارتفاع نجمها خلال عشر سنوات فقط من ممارستها للعمل السياسي· وليس أدل على ذلك من مواقفها المختلفة والمتعددة لاسيما في القضايا الإقليمية والدولية على عكس سيرتها الأولى في الحزب ولمدة عشر سنوات كاملة منذ التحاقها به، فلم تكن لتظهر أي توجه سياسي مستقل معارض للمستشار 'كول'، وهو ما شكل علامة استفهام كافية بالنسبة لخصومها للحديث عنها طويلاً!·
نصر غير مقنع
ظل حلم الاستشارية يراود النجمة الشرقية 'انجيلا ميركل' حتى بعد فشلها في انتخابات ،2001 وخلال السنوات الأربع اللاحقة توافرت لها فرص على الصعيد المحلي كانت كافية إلى حد ما لتشتيت وتحويل التأييد الشعبي الكبير الذي يحظى به الحزب الحاكم 'الديمقراطي الاشتراكي' إلى أحزاب أخرى، فالوضع الاقتصادي لألمانيا دفع الناخب إلى البحث عن بديل يخرج البلاد من أزمته الاقتصادية ويدفع بعملية الاقتصاد فيه ويصلح النظام الضريبي ويعالج البطالة المتفشية والعجز في الميزانية·
شكل المسرح الاقتصادي في ألمانيا مرتعاً مناسباً لـ'أنجيلا' لكي تجذب الناخب الألماني لها، فحاولت خلال حملتها الانتخابية إلى تأكيدها إصلاح سوق العمل عن طريق خفض تكاليف الإنتاج، وهو ما كان مناسباً مع المستثمرين ورجال الاعمال في انتهاج سياسة اقتصادية أكثر ليبرالية· غير أنه وعلى ما يبدو لم تكن تلك الوعود كافية لترجيح كفة 'انجيلا ميركل' وحزبها لكي يحصل على فوز مستحق يكفيها لتشكيل حكومة أغلبية· فقد أظهرت الانتخابات في الثامن عشر من سبتمبر الماضي 2005 أن الحزب المسيحي الديموقراطي حصل على 35,2 بالمائة من أصوات الناخبين (أي 225 مقعداً في البرلمان)، في حين حصل الحزب الحاكم الاشتراكي الديموقراطي على 34,3 بالمائة (222 مقعدا)، وقد جاء الفارق بين الحزبين بنفس درجة الفارق بين الحزبين الآخرين المؤدي لهما في البرلمان كحزب الخضر الحليف للاشتراكي، والحزب الديموقراطي الليبرالي الحليف للديموقراطي المسيحي!·
بالتأكيد شغلت هذه الأزمة السياسية القيادات في كلا الحزبين الرئيسين، صحيح أن حزب 'ميركل' الذي فاز في الانتخابات بفارق أقل من واحد صحيح يمكنه أن يترأس الحكومة الجديدة، غير أنه لا يملك بتلك النسبة أن يشكل الحكومة، فكلا الحزبين يملكان النصاب اللازم من المقاعد في البرلمان الكافية لعرقلة خطط الآخر· وهو ما جعل الدخول في مفاوضات الحكومة الائتلافية كان الحل الأمثل لإخراج ألمانيا من هذا المأزق· ولذا فماراثون المفاوضات الذي أعلن عن مؤتمره في العاشر من أكتوبر الجاري 2005 بإعلان قيادة الحزبين التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية لم يكن إلا أحد محاطه·
أخيراً وبعد مخاض قارب الشهر، اتفق الحزبان على صيغة مبدئية لبدء محادثات تشكيل تحالف حكومي، وحسب ما اتفق عليه سيحصل الحزب الديموقراطي المسيحي على قيادة الحكومة ولكنه لن يستحوذ على اغلب الحقائب الوزارية، إذا سيتمكن الحزب الاشتراكي الديموقراطي من ثماني حقائب وزارية مقابل ست للحزب الديمقراطي المسيحي· وقالت المستشارة الجديدة لألمانيا في هذا المؤتمر الصحفي: 'لقد حددنا لأنفسنا هدفا هو تشكيل ائتلاف مهمته صياغة سياسات جديدة للبلاد·· ونحن نريد أن نعمل معاً من أجل صالح شعب هذا البلد'·
ورغم الصيغة التي استخدمتها المستشارة الجديدة والتي توحي بهدوء العواصف، بيد أنه هدوء قد يعقبه إعصار اشد وأكثر عنفاً عما سبقت، لاسيما وأن البرلمان الألماني الذي عليه التصديق على الحكومة الجديدة والذي من المقرر أن يبدأ غدا الثامن عشر من أكتوبر الجاري، يجمع بين أعضائه أضداد وتناقضات لا حصر لها حتى بين أعضاء الحزب الواحد· ورغم هذا يمكن تبرير هدوء السيدة 'أنجيلا' فالمناورة والمفاوضات والحلول الوسط كانت لعبة 'انجيلا ميركل' طيلة سنواتها في السياسة· غير أن الواقع المعقد الذي تعيشه السياسة الألمانية لن يجعل تلك السيدة تنعم بفوزها التاريخي كأول أمراة تصل إلى هذا المنصب في ألمانيا، وإن استطاعت ان تتخلص من سياط الآخرين غير أنها لن تهنأ فالأشواك تملأ المكان·
ALsaadalmenhaly@emi.ae
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©