الأربعاء 19 يونيو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

لجان التحقيق الدولية وأفق القضايا العربية الكبرى

21 أكتوبر 2005

شهرزاد العربي:
في إطار علاقتنا بالآخر سواء لتحديد مواقف تجاه جملة من مطالبه،أو مساندته فيما ذهب إليه لدرجة يمكن أن يصبح بعضنا ظهيرا إليه، تطرح على مستوى المواقف الرسمية لغة لم نعهدها من قبل تشي بتحويل الممنوع إلى مسموح ومرغوب، بل ومطلوب، من ذلك التدخل بشكل مباشر في القضايا المحلية، بعد أن ظلت لسنوات ـ بل عقودا ـ حكرا على الأقل في الظاهر على سلطات الدولة الوطنية أو لنقل الحكومات المتعاقبة رغم اختلاف مناهجها السياسية·
ورغم أنها تعطي انطباعا أوليا من ناحية التفاعل في الحقل العالمي للتطور باتجاه المشاركة السياسية ، وتحطيم ' التابوهات' التي لا تزال مرتبطة بقوة السلطة أو ضعفها، إلا أنها تكشف أيضا عن إحساس بقرب الأمواج أو الأعاصير من تلك الأبنية ـ السلطوية ـ التي هي في أساسها من أهون البيوت لأنها اتخذت على نمط بيوت العناكب، لكن ما محددتا هذا التغير السياسي على المستوى القطري والإقليمي والقومي ·· هنا محاولة للإجابة:
لتغير في علاقتنا بالآخر سياسيا لم يعد خشية ' عيلة ' أو 'يوم ذي مسغبة' أو حتى الخوف من قوته، ولكن السبب هو حاجتنا إليه لحل المشكلات العالقة داخل كل قطر عربي ·· هكذا يروج كثير من الكتاب بصيغ مختلفة لكنها تخدم هدفا واحدا، هو أن القاصر ـ هنا سياسيا وعلميا وأمنيا - في حاجة إلى حماية من أهل الحكمة والعقل، ونحن كذلك ، ويتعذر هنا عدم الاهتمام بهذا الطرح أو تجاوزه، لأن بعضا من أصحابه يحركهم الجد، ويعتقدون في وجود الحل عند الآخر، لهذا علينا أن ندخل عليهم في مناطق طرحهم للفكرة، بمنطق الحوار وبأخلاقياته، وليس مهما لمن تكون الغلبة هنا، ولكن المهم بالنسبة لنا ولهم هو الوصول إلى حل ينهي بالاشتباك بين الأطراف المختلفة نحو تفاعلنا مع الآخر سلبا أو إيجابا، خصوصا وأن الأمور قد تجاوزت التنظير في الفترة الأخيرة، ودخلت مرحلة التطبيق، وما كان خيانة أصبح وعيا بمتطلبات وشروط المرحلة·
الاغتيال ·· والصيغة الأممية
الواقع أن التغير لم يعد خاصا بالنخب الثقافية أو المهتمة بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، ولكنه غدا مسعى حكوميا، حتى أن الفعل السياسي الرسمي أصبح أكثر جرأة وسرعة من موقف النخبة أو الأفراد، وهذه ظاهرة تسترعي الانتباه، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، بدأت بشكل واضح- منذ انعقاد القمة العربية في مارس الماضي بالجزائر- في ذلك الخطاب العلني للزعيم الليبي ' معمر القذافي ' ، فقد بين فيه علاقة العرب بالآخر وكأنه يبرئ نفسه من إثم كشف سلاحه للولايات المتحدة، ومن وزر انتقاله إلى صف الذين شكك في نواياهم وأفعالهم خلال السنوات الماضية·
كان واضحا في ذلك الخطاب ـ على ما فيه من صراحة وجلد للذات- أننا ندخل مرحلة جديدة لا أحد يلوم فيها الآخر ـ على الصعيد القومي- فما يفعل ، مع أن القذافي أكد أن الدول العربية لن تستجيب لضغوط الآخرين، خصوصا تلك المتعلقة بالدين·
وانتقلنا بعد ذلك الخطاب إلى الفعل، حيث أصبح حل وفض النزاعات الداخلية يتمًان عبر الميل إلى حل مشكلاتنا الخاصة بصيغة أممية، وكان المطلب الأول هو انسحاب سوريا من لبنان بضغط خارجي، وإذا به يتحول بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى تحقيق في الاغتيال بقيادة ميليس، ثم تطور الأمر إلى أن اصبح زخرف القول في أجهزة الإعلام داخل لبنان، وقيادات الدول خارجها، ووقعنا جميعا في فخ التحقيق الدولي الخارجي، لتكن تلك البداية كما سيكون في الأفق، على صعيد كل دولة، وعلى صعيد العلاقات الثنائية خاصة بين تلك التي تشهد توترات بين الحين أو الآخر·
في الطرف الغربي للأمة بين الجزائر والمغرب، وفي شرقها بين سوريا ولبنان، وفي قلبها بين مصر والسودان ـ أحيانا ـ وفي خليجها بين الكويت والعراق بل وداخل الدولة العربية الواحدة مثل الحال في العراق، والصومال وجزر القمر بدرجة نسبية، ولكن هل اللجوء إلى الآخر الأجنبي بعد أن اختار هو طريق التدخل عبر القوة العسكرية أو عبر اللجان الأممية هو الحل؟
عرفات ··ملف مفتوح
المعطيات الراهنة تؤكد أنه الحل، حتى في المسائل التي لم نتمكن من معرفة أسبابها أو اعتقدنا أن الأعداء طرف فيها، من ذلك موقف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومرة أخرى سنجد الزعيم الليبي معمر القذافي هو صاحب الطلب أو المبادرة، فقد صرح لوكالة الأنباء الليبية نهاية الأسبوع الماضي ، بما يلي: ' بعدما أظهرت نتائج التحليل سبب وفاة الرئيس عرفات والتأكد أنه مات مسموما نطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية '، لكن من الجهة التي سيتوجه القذافي إليها ، هل هي الأمم المتحدة مثلا؟
لم يذكر الجهة، مما سيجعل هذه المهمة في حكم المستحيل، ليس فقط لكون الأطراف الدولية ليست ذات مصلحة ، ولكن لأن أصحاب الشأن أنفسهم ـ وأقصد هنا الفلسطينيين بما في ذلك زوجه سها عرفات - لم يولوا الأمر اهتماما يذكر، خصوصا بعد أن خلصت لجنة تقصي الحقائق الفلسطينية في تقريرها الذي استند أساسا إلى تقرير أطباء فرنسيين إلا أنه لم يكن في الإمكان تحديد سبب الوفاة ومع ذلك فقد قرر مجلس الوزراء الفلسطينيين إبقاء هذا الملف مفتوحا حتى التوصل إلى النتيجة كاملة' ، ومن غير المعروف ان كان الهدف من تلك التصريحات هو العمل بجد على كشف الحقائق، أو لإلهاء الشعب الفلسطيني ،خصوصا وإن ذكرى وفاته الأولى على الأبواب·
إذن نحن أمام رؤيتين بشأن المطالبة بالتدخل في قضايانا الحقيقية الأولى هي تلك التي جاءت في تقرير لجنة تقصي الحقائق الفلسطينية، المكون من ثماني صفحات، والذي أعاد إلينا مشاهد مرض الرئيس عرفات التي تابعها كثير من شعوب العالم عبر شاشات التلفاز، هذه النتيجة تقول بشكل واضح أنه لا داعي أو ليست هناك حاجة للتدخل الدولي في هذا الشأن ، الرؤية الثانية، هي تلك التي تريد أن تجعل من التدخل الدولي عبر لجان التحقيق شاملا سواء اتعلق بالاغتيالات العلنية المكشوفة أو بتلك الأخرى التي تتم خفية، وهذه رغم أهميتها تكتسب خطورة لأنها تتعلق بالمستقبل·
وبعيدا عن تشكيل لجان دولية للتحقيق في قضايانا لجهة الرفض أو القبول، فإن الخطاب السياسي العربي يتراجع من حيث الثوابت ، لكن الخوف أن يظل معلقا بالجار أو بالدول العربية الأخرى·
فهل يقبل الرئيس القذافي - مثلا ـ بتشكيل لجان دولية للتحقيق في اتهامات المعارضة الليبية الموجودة في الخارج، والتي تعمل من أجل العودة إلى ليبيا بدعم خارجي؟ وهل يقبل بتشكيل لجان للبحث من جديد في مصير' منصورالكيخيا' حسب ما طالبت في السنوات الماضية لجان حقوق الإنسان؟
وما يوجه للزعيم الليبي يوجه لبعض القيادات العربية ، دعت دول عربية أخرى للقبول بالضغوط الخارجية ، لكن حين يتعلق الأمر بها تتحايل عن ذلك، أو تطلب المساندة والدعم، ما يعني أن الحلول ليست في تدويل المشكلات الداخلية حتى لو تعلقت بالاغتيالات السياسية، والتي ليست جديدة في حياتنا العربية وإذا سلمنا بأقوال المعارضة فإنها ستواصل في المستقبل المنظور؟
من ناحية أخرى فإن القول بتشكيل لجنة التحقيق في وفاة عرفات تمثل نوعا من الهروب وعدم القدرة على المواجهة، ذلك لأن الكتابات الإسرائيلية ومنها كتاب ' الحرب السابقة ' الذي عرضته جريدة الاتحاد الأسابيع الماضية ـ تؤكد على أن إسرائيل المتهم الأول، فلماذا لا تتم المطالبة بالتأكد من صحة هذا الاتهام من عدمه، من الفلسطينيين أنفسهم؟ ولماذا البحث في وفاة عرفات الآن، وقد قتل من بعض العرب عدة مرات وهو لا يزال على قيد الحياة؟
من ناحية أخرى علينا أن نسأل الآن - وقد قدم عرفات إلى ما عمل - من كان يواسيه أو يتصل به في تلك الأيام الصعبة التي قضاها في المقاطعة؟·· لقد كان أول من دول القضية الفلسطينية حين عجز بعض العرب عن دعمها، لكنه حين غاب لم يعد الآخرون في حاجة إلى فتح ملفه حتى لو اجتمعوا وقالوا بغير ذلك، وبالتالي فهم يسرعون الخطى لغلق ملف القضية كلها، وقد يكون ذلك هو التحقيق الدولي الذي ينتظر كل قضايانا الكبرى·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©