الأربعاء 22 مايو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

من أشعل الثورة على كنيسة مار جرجس؟

26 أكتوبر 2005

الإسكندرية ـ آمال حسين:
تشرق الشمس كل يوم على ضاحية محرم بك بالإسكندرية، فتجدها ساكنة هادئة، إلا من حفيف الأشجار ونداءات الباعة الجائلين، وهكذا يجدها الوافدون بالقطار منذ الصباح الباكر، عندما يودعهم بعد وصوله إلى محطة مصر، فيستقلون (الترامواي) الذي يمضي بهم حتماً في شارع محرم بك، ويعبر ـ في طريقه إلى ميدان الرصافة ـ على ناصية شارع الاسكندراني العامرة بدكاكين البضائع الرخيصة، ثم ناصية شارع منشا التي تحتلها أكبر مكتبات الإخوان المسلمين، قبل أن تبدو كنيسة مار جرجس في جوار مسجد أولاد الشيخ ـ لا يفصل بينهما سوى جدار ـ على الرصيف المقابل لدار عرض سينمائي مهجور·
ذلك الاستسلام الغريزي لتصاريف الحياة لدى سكان الضاحية العتيقة وزوارها، انقلب إلى ثورة عاصفة قبل نحو أسبوع·· عندما دكت الأسفلت أقدام الغاضبين من أبناء محرم بك، وعلت هتافاتهم كهزيم الرعد على أعتاب كنيسة مار جرجس الرابضة في شموخ·· ولمن يعرف تلك الضاحية جيداً، كان المشهد أقرب إلى عالم الخيال، لا سيما وأن سبب الثورة افتعلته صحيفة قاهرية معروفة بجموحها، وقد عبثت بسطرين في جرح ظن البعض أنه اندمل··
اختارت الصحيفة موسماً رمضانياً حافلاً بالتطورات السياسية، لتنشر ذات صباح خبراً عن مسرحية مسيحية مدرسية تسيء للمسلمين، سبق عرضها قبل عامين، ويتم الآن تداولها على أقراص مدمجة، وسواء اختصرت تداعيات النشر جهداً فائقاً كان يفترض ببعض المرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة أن يبذلوه للتعريف بأنفسهم، أو أن ذلك جرى مصادفة، فالمحصلة أن قوى سياسية عديدة انتفعت من الفتنة التي أسفر عنها نشر الخبر، خاصة وأن الصائمين المحتجين لم يطرحوا على أنفسهم ـ قبل الانزلاق إلى مظاهراتهم الغاضبة ـ أسئلة جوهرية حول دوافع التحريض الطائفي في مثل هذا التوقيت بالذات···
الفصل الجاري من أحداث تلك القصة الأليمة يلي فصولاً عدة توالت خلال العقود الخمسة الماضية، منذ اندلاع ثورة 23 يوليو ،1952 عندما هيمنت شكوك مبالغ بها على الأقباط في أن النظام العسكري الوطني سيستبعد صفوتهم من مسرح الأحداث، سواء بفعل قانون الإصلاح الزراعي أو بالتأميمات التي استهدفت تحطيم القوى الاقتصادية بوجه عام، وإن بلغت خسارة الأقباط منها ـ وفقاً لإحصاءاتهم ـ 75%، مما دفع الكثيرين منهم للهجرة خارج مصر، وشعر الأقباط ـ خاصة بعد تسلل الإخوان المسلمين إلى مؤسسة الحكم ـ أنهم أصبحوا بين مطرقة التطرف الإسلامي وسندان التعصب القومي للنظام السياسي الجديد، وعندما نص الدستور المصري المؤقت في العام 1956 على أن (الإسلام دين الدولة)، اعتقد الأقباط أن شكوكهم قد صارت يقيناً، وأن الدستور ـ في رأيهم ـ أصاب مبدأ المواطنة في مقتل!
وفي الستينيات كانت جماعة الإخوان المسلمين قد اصطدمت برجال الثورة، مما اضطر عبد الناصر للرد بحزمة قرارات ترمي إلى إعادة الدولة الثيوقراطية الدينية، للمزايدة على التيار الإسلامي، مما ساهم في استفزاز الأقباط، الذين كانوا لا يزالون منكفئين على تحليلاتهم السلبية لسياسة النظام، وفي عهد الرئيس السادات استخدمت الجماعات الإسلامية لضرب الناصريين واليساريين، وظن الأقباط مجدداً أنهم المعنيون بتلك اللعبة، خاصة بعد إضافة المادة الثانية من دستور عام 1971 التي تنص على أن (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) ـ قبل عام واحد من أحداث الخانكة التي أسفرت عن مصرع 9 أقباط ـ ثم تعديلها في العام 1980 لتصبح: (الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)!
الأمية والفتنة!
اغتالت جماعة الجهاد أنور السادات عام 1981 في حادث المنصة الشهير، لتسقط مصر خلال عقدي الثمانينات والتسعينات في دوامة من العنف السياسي ذي الوجه الديني، وتزايدت اللهجة العدائية ضد الأقباط من جانب بعض التيارات المتشددة، ولعبت بعض الصحف والمجلات الرخيصة ـ لأسباب تجارية ـ دوراً فى إشعال الوضع بدلاً من إخماده، حتى كانت النتيجة الطبيعية ـ في بلد يعاني ثلث أبنائه من الأمية ـ تفاقم الأزمة بين المسلمين والمسيحيين في صعيد مصر، وبخاصة في منطقة صنبو بأسيوط عام 1994 التي انتهت بمقتل 13 مواطناً قبطياً، صاحبته أحداث أخرى في ملوي، وسوهاج، والمنيرة الغربية بامبابة، وكفر دميانة بالشرقية، وقد ترتب على ذلك مزيد من التفاف الأقباط حول كهنتهم، واندماجهم فى الأنشطة الكنسية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية، وفتحت الكلية الأكليريكة فترة مسائية، وأسست معهداً للدراسات، وانتشر الأقباط فى خدمة الملاجئ والفقراء والمعوزين، وجعل ذلك من الكنيسة قطباً محورياً يجسده رجال الإكليروس (الكهنة، الأساقفة، البابا)··
شهد العام 2000 ـ وفقاً لنص تقرير مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ـ حادثاً مؤسفاً، باندلاع أحداث العنف الاجتماعي في قرية الكشح بصعيد مصر بين المواطنين المسلمين والأقباط، أسفرت عن مقتل 22 من المواطنين ـ من بينهم 21 مواطناً قبطياً ـ فضلا عن تدمير وحرق عشرات المنازل، والمحال التجارية، ونهب محتوياتها··· ورغم أن أحداث الكشح بدأت بمشاجرة عادية بين تاجر مسلم وآخر مسيحي، أفضت إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجروح، لكنها تداعت في اليوم التالي بشكل حاد إثر انتشار شائعة ـ أطلقها البعض ممن يستهدفون إثارة الفتنة ـ بوفاة اثنين من المصابين الأقباط، فهاجم المواطنون الأقباط السكان المسلمين بالرصاص، وانتشرت أثناء ذلك شائعة أخرى بأن الأقباط يستهدفون قتل السكان المسلمين، وهم يشكلون أقلية في القرية، مما أدى إلى احتدام المواجهات المسلحة واتساع نطاقها إلى القرى المجاورة···!
سارت الأمور بشكل طبيعى بعد أن هدأت أحداث الكشح، وصدرت أحكام قضائية مختلفة على المتسببين فيها، وبينما كان الأقباط يتأهلون لاحتفالات عيد الميلاد، انتشرت خلال شهر ديسمبر من العام الماضي شائعة كالنار في الهشيم عن خطف إحدى زوجات راهب كنيسة بأبي المطامير فى محافظة البحيرة بدلتا مصر ـ تدعى وفاء قسطنطين ـ من قبل عشيقها المسلم، لإرغامها على الاقتران به!! واعتصم مئات من الشبان المسيحيين في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية مطالبين بتسليم السيدة إلى ذويها، وشهدت الكاتدرائية مصادمات بين الأمن والشباب المعتصم أدت إلى جرح 50 من رجال الأمن، بينما الحقيقة هي أن وفاء زوجة الراهب يوسف عوض ـ بجمعية حوش عيسى القبطية ـ كانت قد غادرت أبو المطامير طوعاً، وأشهرت إسلامها في أحد أقسام الشرطة·· ولكن تحت ضغط القوى المسيحية، واعتكاف البابا شنودة في وادي النطرون احتجاجاً، تم تسليم وفاء إلى دير وادي النطرون، ليؤول بها الحال قسراً إلى سلك الرهبنة الأرثوذكسية النسائية··
وبعد فترة وجيزة لقيت سيدة مسيحية أخرى تدعى ماري عبد الله زوجة القس لويس نصر حتفها تحت عجلات سيارة ميكروباص مسرعة، بعد أن لجأت مع بناتها الأربع إلى إحدى الأسر في مدينة الشيخ زايد قرب القاهرة لإعلان إسلامها بين يدي شيخ الأزهر، وأقفل ملف القضية على أساس أنه حادث مروري عادي، غير أن الإعلام وصفه بأنه طائفي مقصود!
وفي 3 يناير اعتقلت السلطات المصرية 80 شخصاً، وفرضت حظر التجول على مدينتين في محافظة المنيا جنوب القاهرة إثر اشتباكات وقعت بين مسلمين ومسيحيين أدت إلى مصرع شاب مسلم، بسبب قيام أحد السكان المسيحيين بتحويل منزله إلى كنيسة دون الحصول على إذن رسمي بذلك!
الاعتذار أو الاستمرار!
قادت تلك المقدمات إلى أحدث فصول الملهاة، الذي جرت وقائعه في ضاحية محرم بك، فقد أفاق سكانها ـ المنتسبون إلى الطبقة المتوسطة ـ على خبر نشرته صحيفة 'الميدان' القاهرية المستقلة في يوم 13 من الشهر الجاري عن مسرحية يتداولها المسيحيون على اسطوانات مدمجة حول شاب مسيحي أشهر إسلامه، وانخرط في العمل بصفوف إحدى الجماعات الإسلامية، وطبقاً لسيناريو المسرحية ـ التي عرضت لمرة واحدة فقط منذ عامين قبل أن تودع في الأرشيف ـ تجري معاملة الشاب على أنه مسلم من الدرجة الثانية، إذ اقتصر دوره على القيام بخدمة أقرانه من المسلمين، إلى أن يفلح في الفرار إلى الكنيسة، ويتعقبه المسلمون للنيل منه!!
بعد يومين من نشر الخبر فرضت سلطات الأمن المصرية إجراءات مشددة حول كنيسة مار جرجس في مدينة الإسكندرية مع تصاعد احتجاجات المئات للتنديد بالمسرحية، وردد المتظاهرون هتافات تطالب بوقف توزيعها، وتدعو القيادات المسيحية للاعتذار، وبعد خمسة أيام اعتقلت الشرطة شاباً عاطلاً أصاب راهبة بجروح طفيفة عند مدخل كنيسة مار جرجس، ثم بعد يومين قتل ثلاثة متظاهرين وجرح أكثر من 80 آخرين ـ بينهم 20 شرطياً ـ في مواجهات مع الشرطة، عندما حاول نحو أربعة آلاف متظاهر من المسلمين اقتحام كنيسة مار جرجس، وقال المراقبون إن الموقف قد يتدهور إذا لم تعتذر الكنيسة للمسلمين استجابة لمطالب المتظاهرين!
الإخوان في محرم بك!
يصعب تحليل هذه الأحداث التي جرت في محرم بك خلال الأيام الماضية من دون الإشارة للبنيان السياسي والاجتماعي لتلك الضاحية ـ التي تجمع بين الطابع الشعبي والأرستقراطي ـ وتعد بوابة الإسكندرية للقادمين من الطريق الصحراوي، ومن أشهر أحيائها أمبروزو، وبوالينو، وكذلك حي أبيس ذو الكثافة السكانية الريفية، ومعظم الأصوات الانتخابية في دائرة محرم بك من أعضاء الحزب الوطني، لكنهم يخوضون الانتخابات في العادة كمستقلين، وفي انتخابات عام 2000 فاز عضو سابق بهيئة الرقابة الإدارية ـ وهي جهاز حكومي نافذ ـ على رجل أعمال اعتاد على شراء الناخبين بأمواله، كما فاز رئيس اتحاد العمال بالأسكندرية بحكم منصبه على اثنين من منافسيه، أحدهما صياد والآخر رجل أعمال في منطقة أبيس، أي أن الميزان الانتخابي في تلك المنطقة ـ خلال السنوات الخمس الأخيرة ـ يرجح كفة النفوذ الحكومي في مقابل رأس المال، وقد يعود ذلك إلى انتشار الوعي السياسي بين الناخبين، وازدهار المنطقة اقتصادياً نتيجة للتوسع العمراني في المنطقة المتاخمة لها على حدود المدينة، حيث شيدت المجمعات التجارية والمقاهي والمطاعم والملاهي على طرفي نهاية الطريق الصحراوي المؤدي لشارع قناة السويس ومنه إلى كورنيش الإسكندرية· لكن تلك المعادلة لا تنفي الحضور التاريخي المكثف لجماعة الإخوان المسلمين، التي تسعى منذ سنوات لمد جذورها إلى مسجد أولاد الشيخ، الملاصق لكنيسة مار جرجس، والذي كان نقطة انطلاق للأحداث الأخيرة، برغم أن القاعدة الرئيسية لأفراد تلك الجماعة في ضاحية محرم بك لا تبعد سوى محطتين (ترامواي)، حيث يقع مسجد أمير البحر في شارع ضيق يحمل نفس الاسم يتفرع من ميدان الرصافة، ويشهد في كل عيد صلاة الإخوان، بما تتضمنه في العادة من خطب نارية، وأناشيد حماسية، ودعاية لرموز وقيادات الجماعة·· وحسب رأي المراقبين كان للإخوان المسلمين من دون شك دور ـ محدود ـ في أحداث محرم بك الأخيرة، فأغلبهم من الطلبة والعمال، والجيل الصاعد منهم يميل إلى الخروج عن صفوف التنظيم، والانهماك في شؤونه الخاصة بعد انتهاء مراحل دراسته، وقد يتمرد على تقاليد الجماعة عندئذ، ويجد في الاحتجاج على ذلك النحو اندفاعاً قد يعصف بمستقبله المهني، فلا يبقى من القاعدة المؤهلة لتنفيذ إضراب أو مظاهرة سوى صبية في عمر المراهقة، لا يوجد أسهل من إشعال حماسهم، بحجة إنعاش ولائهم الديني والتنظيمي، ولكن مع تلك الحيثيات لضلوع الإخوان في جانب من الأحداث الأخيرة، فإن موقف الجماعة المحظورة واضح تجاه الأقباط، فالإخوان المسلمون يتعاطون مع المسيحيين بروح ودية وسلمية، ويشاطرونهم ـ على نحو لا يخلو من المزايدة الدعائية في بعض الأحيان ـ الاحتفال بأغلب المناسبات الدينية والاجتماعية، سواء في النقابات أو الجمعيات، أو حتى في الجامعات والكيانات الحزبية··
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©