الثلاثاء 28 مايو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

الأحزاب العربية وتوظيف ثقافة العامة في مجال السياسة

29 أكتوبر 2005

شهرزاد العربي:
الثقافة العامة، موقفها من الأحداث، ورؤيتها المستقبلية لقضاياها الحياتية هي المسيطرة الآن على مختلف المواقف السياسية للأحزاب وقياداتها في الوطن العربي ، ذلك لأن النخب رحلت بعيدا مسربلة بالهزائم، ومنتظرة لكتائب القتل والدمار القادمة من أصقاع شتى، والحال هذه ليست بمعنى أن العامة تريد ذلك، وبالتالي على العاملين في الحقل السياسي الاستجابة لها، ولكنها بمعنى اتباع الظن ـ الذي لا يغني عن الحق شيئا- حيث كلما حلت أمة في السلطة،أو هكذا خيل لها أو أظهرها الواقع ، لعنت أختها، مع أن الدروب شائكة والهدف غير واضح ، تكشف عن ذلك التصريحات المتتالية والمتصاعدة لقادة حزبيين قادوا الصفوف، وضربوا الدفوف لمن هم أعلى منهم ومرغوا الوجوه والأنوف في تراب الأنظمة، وتراب من جاءوا بعدها، حتى إذا رأوا الانقلاب واقعا، والتغير قادما سارعوا إلى ركوب الموج الجديد·
الصورة السابقة تكرر مشاهد يومية في الوطن العربي منذ التسعينيات، من مغرب الأمة العربية إلى شرقها، وإن اتخذت في كل منطقة شكلا معينا، لكنها شدت ـ في كل الأحيان ـ بحبال إلى الآخرين، حيث التغيير من ضرورات العولمة والتكيف مع معطيات العصر، انتهى بعضها، وسينتهي البعض الآخر إلى السعي نحو التغيير بناء على ضغوط خارجية، وليس قناعة ذاتية نابغة من حركة نضال طويلة الأمد، ومع ذلك يتم التحايل وعدم الاعتراف بسلطة الآخر من ناحية نقل التجربة، ولوجاء جاء بها ومعه قوة لا قبل لنا بها، ولو تمت المصارحة لحلت المصالحة مع التاريخ وقياداته التي هي وراء القضبان أو تلك الأخرى العاملة في الميدان، أو الأخرى المهاجرة كرها مع أن العالم ضاق عليها بما رحب·
الرحيل من الأيديولوجيا
في السياق السابق أذهل بعض المراقبين ما صرح به الدكتور 'أياد علاوي' لقناة 'العربية'، حين أكد على انتهاء ' حزب البعث'، وهو لا يعني هنا رحيله من السلطة فقط، ولكن يقصد رحيله من الأيديولوجية ، ولا ندري من أين جاء بهذا الحكم؟ لأن معطيات الواقع التي تفرض نفسها تقول غير هذا، مع أنه في حديثه سعى للتفريق بين جماهير الحرب وقياداتها ، وهذا من الناحية الواقعية غير صحيح بناء على شهاداته السابقة حين كان رئيسا للحكومة وبناء أيضا على شهادة قوات التحالف، من أن الذين يقاومون تلك القوات أو يرهبونها ويرهبون معها الشعب العراقي هم من فلول حزب البعث المنحل·
إن القول بانتهاء هذا الحزب أو ذاك مرهون بأمرين : إما هزيمته في الانتخابات أو سقوطه بانقلاب عسكري، شريطة ألا يكون الحزب والدولة والجيش والمؤسسات والأجهزة الأمنية شيئا واحدا، لذلك فإن خطأ الجزائريين في التسعينيات يكرره العراقيون الآن، مع اختلاف التجربة والنتيجة، والقوى المؤثرة في الداخل والخارج·
لقد ساد الاعتقاد في انتخابات 1960 البلدية ثم انتخابات 1991 البرلمانية في الجزائر، أن حزب جبهة التحرير الوطني ، قد انتهى، خصوصا بعد أن شاركت كل القوى السياسية في تحطيمه، وأجمعت غالبية الشعب على نبذه والنفور منه، وتخلى عنه أنصاره والمنتفعون، لكن أين هو حزب جبهة التحرير الوطني الآن ؟
الكل يعرف أنه القائد الحقيقي للبلاد ذلك لأنه لا يمكن الفصل بينه وبين الدولة الجزائرية، وهناك ثورة قام بها تمثل المرجعية لكل الجزائريين يمكن أن يركن إليها زمن الشدائد والمحن، وقد حلت الفتن ـ وهي أشد من القتل و أكبر- بعد إبعاده وسقوطه، وتراجعت الآن بعد عودته، وللعلم فإن التغير في الجزائر من ناحية الممارسة الديموقراطية هو نتاج تجربة جبهة التحرير، ولم يأت بضغط لا حزبي ولا حتى شعبي كما يحاول البعض تصوير ذلك·
قوى مجهولة ·· وأخرى معلومة
بالطبع لا وجه للمقارنة بين حزب جبهة التحرير الوطني، الذي جمع كل الأطياف السياسية وبين حزب البعث العراقي، الذي أبعد كل القوى السياسية ، لكن هذا لا ينفي التداخل بين الحزب والدولة في العراق، بدليل أن إسقاط الحزب بالقوة العسكرية، من ثم إبعاده أدى إلى الانهيار الكلي للدولة العراقية، رغم محاولات البعض استرجاع دورها، والسبب أن ضغائن الماضي ومظالمه ختمت على قلوب وأبصار وأسماع المعارضة، حتى أن بعضها رأى في تدمير منشآت الدولة العراقية إنجازا حضاريا لكونه يقضي على تركة النظام السابق، وتساوت، بل واندمجت رؤى السياسيين بصخب العامة، حتى غدت هذه الأخيرة هي المسيطرة، ثم تحول الصخب إلى فعل دموي تشارك فيها قوى مجهولة، وأخرى معلومة، لكن بعض السياسيين يعمل من أجل تجاهلها معتقدا أن الحل في الذهاب إلى حيث النهايات بغض النظر على أحداث الأرض وأفعال الناس· وعبر المشاهد الدموية في العراق، حيث أرض الحرب، نكتشف أن الإلغاء أو الإبعاد ثقافة متراكمة توارثها الحاليون من النظام السابق ، ترى ماذا يفعلون الآن غير الذي كان يفعله حين هلك الحرث والنسل؟ ذلك أنه من الصعب بالنسبة لنا نحن الذين نشاهد الصورة من خارج العراق، الاقتناع بوجود طرف واحد يقوم بتلك العمليات الإرهابية ، يعتبرا لجاني، وطرف آخر يقع عليه الجرم ،هو الضحية، لأنه لو كان الأمر على هذا النحو لرجحت الكفة للأقوى ، ولوضعت الحرب أوزارها في وقت مبكر، لكن الواضح أن هناك قوى مختلفة أهدافها مختلفة، وأساليبها مختلفة، يجمع بينها الإرهاب باعتباره الحل بغض النظر عن الضحايا وعددهم، ما دام يؤدي بأصحابه إلى أهدافهم·
ليست الحالة العراقية بمعزل عن باقي الدول العربية، حيث تتم الاستجابة لثقافة العامة ما دامت تساعد على تحقيق أهداف الدول الكبرى في المنطقة، مع أن هذه الأخيرة تجمع على تخلفنا وجهلنا،وبالتالي لا أهمية لمواقف شعوبنا، لهذا علينا أن نفهم مسألة تحريك الجماهير الآن نحو أهداف لا تخدم المصلحة العامة مثلما حدث في مصر الأيام الماضية، حيث العمل بوضوح ـ من أجل إشعال نار الفتنة الطائفية، أو تحريك الجماهير في لبنان للمطالبة بالقصاص لدم الحريري، وتحريكها طبقا لتقرير' ميليس' ، وبالتالي طبقا للرغبة الدولية، أو تحريك الجماهير في عدد من الدول العربية الأخرى لتحقيق العدالة وإنها المفاسد والمظالم·
آجال الدول ·· والعامة
من يتابع مسألة توظيف ثقافة العامة يخيل إليه دخولنا عصر الديموقراطية والعدالة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الجماهير، بغض النظر عمن تكون هذه الجماهير، المهم أن ذلك يؤدي إلى التغيير، حتى إذا ما دنا أجل هذه الدولة أو تلك أخرج لها الآخرون كتابها لترويع نظامها ودفعه للقبول بكل الشروط، وانتفت الشراكة مع الآخر، ومسؤوليته عن أخطاء قاتلة وجسيمة وقعت في حق الشعوب· وانطلاقا من التسلسل التاريخي فإننا ندخل مرحلة توظيف ثقافة العامة من ناحية الحركة والفعل لصالح القوى الخارجية، بعد أن وصلت إلى نتيجة مفادها :أن استجابة بعض الحكام أو تبعيتهم لم تعد مجدية في الوقت الراهن، لأن الخطورة تمكن في ثقافة العامة وليس في قرارات الحكام ووعيهم· ورغم النقد الذي يوجه لثقافة العامة، فقد أثبتت مع الأيام أنها الحامي من كل الهجمات الكبرى فقط تحتاج للتوجيه ، ولن يحدث ذلك إلا بالثقة في القيادات، ومن يريد معرفة وجود تلك الثقة من عدمها فليتوجه إلى الشعوب العربية في لحظة صدق ليرى النتيجة، فالتغير منها وإليها، والرهان الغربي عليها سيكون مآله مثل رهان الحكام عليها، حتى إذا ما سقطت التماثيل ضربت بالأحذية ، وبما أن تماثيل القوى الخارجية أكبر فبالتأكيد ستضرب بما يناسبها، والتغيير قادم بالشعوب وحدها·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©