الثلاثاء 28 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

حورية الأسد الأسطورة الحيّة لسنغافورة

حورية الأسد الأسطورة الحيّة لسنغافورة
7 نوفمبر 2005

سنغافورة- محمد الحلواجي:
يعتبر تمثال 'حورية الأسد' أحد أهم المعالم في سنغافورة (وهو تمثال نِصْفه العلوي برأس أسدِ، ونِصْفه السفلي يشكل جسم سمكة) وهو يعتبر بالنسبة للسنغافوريين رمزاً وشعاراً وطنياً، تماماً كما هو الحال بالنسبة للصقر في دولة الامارات، فإذا قصدت سنغافورة ستجد رسوم وتماثيل وشعارات 'حورية الأسد' وهي تملأ كل مكان، في جميع الأماكن العامة والأسواق وصولاً لطباعة هذا الشعار على الميداليات والألبسة والدمى والتماثيل الصغيرة المتنوعة التي تتخذ صورته، بل إنه موجود حتى على مغلف علبة الشاي السنغافوري الأخضر، فما هي قصة أسطورة 'حورية الأسد' ؟ والجواب هو ببساطة إنها حكاية ساحرة أقل ما يقال عنها أنها مفاجئة وممتعة ·
في سنغافورة الفريدة، ونحن نجول في أنحاء المدينة الحديثة المبهرة استوقفنا كثيراً هذا التمثال الغريب العجيب، حتى قمنا بزيارة النصب الضخم لهذا المخلوق في ساحةِ 'فولرتون' في منتزه يحمل اسم ذات الأسم باللغة الانجليزية 'الميرلايون بارك'، حيث يطلق التمثال من فمه نافورة مائية تتدفق بقوة ليلاً ونهاراً إلا أن منظره في الليل يكون خلاباً جداً وسط الأضواء المتلألئة الملونة، خاصة وأنه يطل على أفق المدينة وأسواقها التجارية الضخمة، ويقابله على الضفة الأخرى مبنى دار الأوبرا الخلاب بهندسته المعمارية وأضوائه الساحرة ليلاً، انتابنا فضول كبير ونحن ننظر للتمثال الحجري العملاق الذي يرتفع نحو سبعة وثلاثين متراً وسط زحام شديد من مرتادي الكورنيش والسائحين الذين يتقاطرون بأعداد كبيرة للمكان بهدف التقاط الصور التذكارية مع التمثال، فسألنا مرشد هيئة السياحة السنغافورية عن سر حكاية هذا التمثال ذي التركيب الغريب فقال: 'الميرلايون' أو 'حورية الأسد' عبارة عن حيوان أسطوري هجين نصفه العلوي لأسد ونصفه الآخر لسمكة، ويرمز نصفه العلوي (الأسد) إلى الحيوان الذي جاب الجزيرة القديمة يوماً من الأيام في الزمن القديم، بينما يرمز نصفه السفلي (السمكة) إلى أصل سنغافورة كمرفأ مزدهر·
وفي القرن الحادي عشر الميلادي، اكتشف الأمير 'نيلا أوتاما' القادم إلى الجزيرة من إمبراطورية 'سيري فيجايا'، ولدى وصوله رأى مخلوقاً غريبا (اكتشف فيما بعد أنه أسد) فقرر تسمية الجزيرة 'سنغابورا' أي 'مدينة الأسد'، حيث إن كلمة 'سنغا' تعني الأسد، و'بورا' تعني مدينة· واليوم يطل تمثال الميرلايون، الواقع في حديقة ميرلايون على واجهة سنغافورة البحرية، ليرحب بزوار الجزيرة'·
بداية الحكاية
'يحكى في قديم الزمان، أنه في إحدى الليالي الحالكة، غمر المدينة القديمة برد مفاجئ، حيث اجتاحتها غيوم سوداء كثيفة، حجبت أضوء النجوم المتلألئة، وهو الأمر الذي أثار قلق السكان· فقد عصفت الرياح في البحر بشكل جنوني ممزقة الأشجار، منذرة بيوت السكان الواهية· وسحقت الأمواج الشواطئ، مهددة بابتلاع الأرض في أية لحظة، فتسمر السكان مذعورين أمام قوة الطبيعة القاسية، وركعوا على أقدامهم يتضرعون ويصلون من أجل انقاذهم· وفجأة، انطلقت صيحة دوى صوتها في كل أرجاء المدينة· وعندها تجلى للسكان منظر آثار دهشتهم، إذ لمعت مياه البحر بآلاف المخلوقات البحرية ذات الألوان الزاهية وهي تتحرك باتجاه المدينة، وسمع الناس أيضاً صوت قرع أجراس تبشر وتنذر باقتراب شيء ما·
بعدها تدفق من البحر نبع كبير من الماء الساخن، وخرج من منتصفه مخلوق بحري هائل أدار رأسه باتجاه المخلوقات البحرية الأخرى، وكان الشعر الذي يلف عنق ذلك الأسد البحري يقطر بسائل فسفوري، كان حجمه كبيراً جداً ورشاقته لا تضاهى بأي مخلوق آخر· فقد اهتزّت المدينة لصرخة شقت طريقها من فم الأسد البحري، ثم بخبطات قوية من ذيله توجه المخلوق نحو السرج الصخري، وبعيون أشبه بالرعد، وبغضب عارم ملأ جسده، تعارك الأسد البحري مع السماء الراعدة والرياح العاتية· فوقف سكان المدينة مذهولين بصراع الطبيعة مع ذلك المخلوق، وببطء، فقدت الرياح قوتها، وفقدت الأمواج شدتها، وأطلق المخلوق البحري العظيم صيحة أخرى طويلة، معلناً انتصاره· وكالسحر، تراجعت الرياح وهدأ البحر، وتألقت مرة أخرى النجوم في السماء، وعادت الطمأنينة مجدداً إلى المدينة ·
نشيد 'نزهة حورية الأسد'
في السطور التالية محاولة لم تكن بالهينة لترجمة نشيد 'نزهة حورية الأسد' عن نص وجدناه منقولاً إلى اللغة الانجليزية، حيث تقول سطور النشيد أو الحكاية المدهشة: ' حدق وحشُ البحرِ الهائلِ بالسكان المذعورين، رَمى ملحِه الذي غمر شعر الأسد، ثم نظر برحمة إلى القرويّين المتراجعين· وعندها أقامت مخلوقاتُ البحرَ احتفالاً سعيداً، وجَلسَ وحشُ البحرِ الفخور على عرشِه الصخريِ لزمن طويل· معتقداً أن لا أحد يُمْكِنُ له أَنْ يكشُف: أن القرويّين السعداء سَقطوا وهم متعبون في نوم سحري، بسلام يغمر وجوهَهم· مثل فجر تسلل عبر السماءِ، تَنهّدَ وحش البحرِ العظيمِ تنهيدة هائلة· ونظر إلى الجزيرةِ نظرة طويلة الأمد، ثم أرجح ذيله وعاد مبتهجاً إلى البحرِ· وكما لو أنَّ نوبة من الزمان قد انكسرتْ، استيقظ القرويّون فجأة، فَركوا النوم عن عيونِهم ورَكضوا باتجاه البحر، يَبْحثُون عن وحشِ البحرِ الهائلِ· فكان كُلّ ما رَأوه له أثر طويل مَلأَ الفضاء باللونِ والضوءِ، عبر تناغم مخلوقاتِ البحرِ الملوّنةِ، أثر أَمْسكُ بأشعةَ شمسِ الصباحَ، وكَسَّرَ الضوء إلى قطع بألف لون·
وكما لو أنّهَ مربوط بأغلال السحرِ، بَقى الأثر الملوّن طوال السنين· ففي كُلّ سَنَة كانت 'حورية الأسد' العملاقة، تأتي كلما دعاها 'سنتوسا' بهذا الأثرِ· فكانت تجْلسُ في تلك الليالي السحريةِ على عرشِها الصخريِ، تحْرسُ الجزيرةَ بحبّ، ثمّ تعود عِندَ الفَجرِ إلى البحرِ· ولكن حدث أن تَوقّفَت 'حورية الأسد' عن المَجيء لسَنَة واحدة، لَرُبَّمَا عَرفَت أن الجميع سَيَكُونُون بخيرَ· لكن السكان شَعروا متأكدين بضرورة عودتها، إذا ما شعرت أن الجزيرةِ قد تتعرض للخطرِ مرةً أخرى· ومنذ ذلك الحين أصبحتْ أسطورةُ 'حورية الأسد' القصّة المفضّلة للأطفالِ جيلاً بعد جيل، الأولاد والفتيات الذين دأبوا مَع أصدقائِهم على عَمل نماذج رملِية من 'حورية الأسد' بأثرها الملوّن، ليستعيدوا فصول الحكاية من جديد·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©