الأحد 1 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

محمد سلماوي أوقفنا في الطابور من الميلاد إلى الموت

محمد سلماوي أوقفنا في الطابور من الميلاد إلى الموت
19 نوفمبر 2005

القاهرة ـ حمدي أبو جليل:
مسرحية 'فوت علينا بكرة' للكاتب المصري محمد سلماوي صدرت في الثمانينيات، وحظيت باهتمام نقدي كبير، وعُرضت على معظم مسارح مصر في القاهرة والأقاليم، ومشروع مكتبة الاسرة أعاد اصدارها مؤخرا باعتبارها من الاعمال المسرحية الكوميدية المهمة في كتاب ضم الى جانبها مسرحية أخرى بعنوان 'اللي بعده' وكلتاهما تنقلان جانبا من أحوال المجتمع المصري في السبعينات والثمانينات·
'فوت علينا بكرة' تنطلق من الجمود البيروقراطي والفساد الاداري الذي بدد احلام الشباب وطموحاتهم، وبطلها شاب في مقتبل العمر يتعرض للتحقيق والتعذيب وفي النهاية القتل لمجرد انه طلب اعتماد الجهات الرسمية لأوراق السفر الخاصة به، و'اللي بعده' تنطلق من ظاهرة 'الطوابير' التي انتشرت في مصر السبعينيات وبداية الثمانينيات وطوال احداثها يقف بطلها في طابور طويل واسطوري يستمر اياما وشهورا وسنوات للحصول على شيء أو سلعة غامضة· ومحمد سلماوي قال انه استلهمها من تجربة خاصة، هو نفسه وقف في طابور طويل للحصول على شقة بحي المعادي بالقاهرة، والمسرحية كوميدية، وتعتمد على المبالغة في سبيل كشف الخلل وتستفيد من تقنيات مسرح العبث في كشف تجربة شديدة الواقعية وبعض النقاد اعتبرها من الاعمال المهمة في تاريخ مسرح العبث العربي·
الكاتب محمد سلماوي ولد بقرية محلة مالك بمحافظة كفر الشيخ شمال القاهرة في الاربعينيات، ودرس الادب الانجليزي في لندن ويعيش بالقاهرة ويرأس تحرير صحيفة 'الأهرام ابدو' واتحاد الكتاب المصريين، وبدأ كتابة المسرح في الثمانينات، ومسرحيتاه 'رقصة سالومي الأخيرة' و'الزهرة والجنزير' حققتا شهرة واحتفى بهما النقاد، ومسرحيتا 'فوت علينا بكرة' و'اللي بعده' من بدايات أعماله وأهمها، وتمت مناقشتهما مؤخرا في ندوة أقامتها الهيئة المصرية للكتاب شارك فيها الناقد د· عبدالعزيز حمودة والناقد سامي خشبة·
د· عبدالعزيز حمودة يتابع مشروع سلماوي المسرحي منذ بداياته وقدم مسرحيتيه 'فوت علينا بكرة' و'اللي بعده' لدى صدورهما الأول في الثمانينيات، وقال: عنوان مسرحية 'فوت علينا بكره' جملة أظن أنه لا يوجد بين القراء من لم يسمعها ويتعرض لاهانتها في تعامله مع الروتين الذي يحكم الانظمة البيروقراطية، وهي جملة التقطها المؤلف من الشارع، ولكنه نجح في أن يصعد بنا الى درجة الانتباه والى حقيقة اننا لسنا في حضرة المألوف كما توقعنا بل اننا امام جرأة كاملة في تحويل ذلك المألوف الى شيء جديد يثير سخطنا على الواقع وكأننا نراه لأول مرة·
'احمد' بطل المسرحية شاب تخرج في الجامعة حديثا، وحينما طال به طابور الانتظار·· انتظار كل شيء العمل والزواج والمستقبل قرر أن يعمل في بلد عربي، وهكذا تسوقه قدماه إلى مصلحة حكومية ما ليحصل على ختم الدولة على بعض الاوراق اللازمة للسفر وبالصدفة يدخل هذه المصلحة الحكومية اثناء انعقاد اجتماع يقرر فيه 'عبدالعال بك' مدير المصلحة اصدار قرار اداري يقضي 'بإلغاء التسيب اعتبارا من اليوم' وبسبب هذا الاجتماع المهم لا يجد موظفو المصلحة وقتا لختم اوراق الشاب احمد ويطلب منه كبيرهم 'عبدالسلام افندي' ان يفوت 'بكره'، ولكن احمد يرتكب خطأ العودة ثانية بعد انتهاء الاجتماع فيتعرض لتحقيق عسير، ويتهم باتهامات شتى حول اسباب سفره واحواله الاجتماعية وتنتهي محاكمته مع اسدال ستار المسرحية بتنفيذ رغبته وختمه هو شخصيا بختم المصلحة وهكذا يوضع احمد على الجدار المقابل ويحمل الموظفون خاتم المصلحة الضخم ويظلون 'يختمونه' به على ظهره بعد ان جردوه من ملابسه إلى أن يموت في مشهد اغتصاب رمزي عنيف هو ذروة المسرحية ونهايتها·
اللي بعده
وأضاف: في مسرحية 'اللي بعده' ينطلق سلماوي من موقف واقعي، طابور عادي كنا نراه عشرات المرات في اليوم الواحد في السبعينات وبداية الثمانينات، مجموعة من البشر ينتظرون في طابور طويل، والمسرحية من بدايتها إلى نهايتها لا تكشف عن الغاية أو الشيء الذي ينتظرون الحصول عليه من الوقوف في الطابور، هم ينتظرون دورهم في الطابور فقط، وهم من كافة طبقات الشعب وكل واحد منهم ينتظر ان يتحرك الطابور حتى ينال دوره وكل فترة يخرج واحد من بينهم بغرض تنظيم الطابور ولكنه يكتفي بتصدر الطابور بينما الطابور يتطاول حتى يضم خمسين مليون واقف او منتظر، ومع بلوغه هذا العدد الذي لا يخلو من ترميز اجتماعي وسياسي حيث ان هذا العدد هو تعداد الشعب المصري في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات يبلغ الطابور نهاية الرحلة التي تحول فيها من طابور عادي يمكن ان تراه في اي مكان إلى طابور رمزي فلسفي يكشف احوال المجتمع ويصور حقيقة الحياة حيث انها كما قال احد ابطال المسرحية عبارة عن طابور يبدأ بالميلاد وينتهي بالموت·
وهي رحلة لا تختلف كثيرا عن رحلة خاتم المصلحة الحكومية في مسرحية 'فوت علينا بكره' فبعد ان كان احمد مجرد شاب بسيط اصبح يمثل الانسان العادي في تعامله مع الروتين والبيروقراطية والفساد، وبدلا من الديوان الحكومي المحدد، اصبحنا في نهاية المسرحية امام الانظمة البيروقراطية بأكملها وبدلا من خاتم المصلحة البسيط اصبحنا امام غول قاتل، والشيء نفسه يتكرر في المسرحية الثانية حيث يتحول الطابور البسيط إلى مجتمع بأكمله، وانتقل سلماوي بالتدريج السريع والمقبول من مجرد انتظار الدور للحصول على سلعة ما إلى مناقشة أحوال الحياة برمتها·
الجمود والتخلف
مسرحيتا 'فوت علينا بكره' و'اللي بعده' اعترضت عليهما الرقابة لدى صدورهما الاول في الثمانينيات نظرا لما اعتبرته إسقاطا سياسية في شخصية منظم الطابور حيث كان في مخطوطة المسرحية يكتفي بالجلوس عنوة على كرسي مقدمة الطابور حتى يموت، ومحمد سلماوي اضطر لتغيير مسار هذه الشخصية وجعلها تتصدر الطابور استجابة لطلب وإلحاح المنتظرين في الطابور·
وقال الناقد سامي خشبة ان مسرحية 'فوت علينا بكره' تواجه الجمود والتخلف وتكشف الفساد الخلقي والمالي المتغلغل في الجهاز الاداري وبطلاها شابان مخطوبان لا يستطيعان الزواج طوال سنوات وبهما نكتشف استحالة الحياة حيث ان حلما في بساطة الزواج والحياة الكريمة لا يتحقق ورغم ان المسرحية كوميدية فإنها تنتهي بخاتمة سوداء، يظهر فيها البطل وهو 'يُختم' حتى الموت بخاتم المصلحة الحكومية·
خشبة انتقل لتناول لغة المسرحية وقال: رغم ان سلماوي يتقن اللغة الانجليزية ويكتب بها إلا انه يعتمد على لغة عامية في منتهى البساطة والسلاسة، مستفيدا من مدرسة العامية التي يمثلها يوسف ادريس خصوصا في مسرحيته الشهيرة 'الفرافير'، وهي تعتمد على جمل سريعة وسهلة وتتخفف كثيرا من لغة وشروط الكتابة الادبية المتجهمة غالبا ومن خلالها يعبر سلماوي عن حال شخصياته وعلاقاتها وعالمها وازماتها·
والبناء المسرحي في أعمال سلماوي وخصوصا 'فوت علينا بكره' يقوم على التحول من موقف إلى آخر وفيها يتحول من المأزق البيروقراطي البسيط إلى مأزق الحياة برمتها، واثناء التحقيق مع 'احمد' بطل المسرحية ينتقل سلماوي إلى العبثية، حيث يتورط البطل في الزواج من 'عبدالسلام افندي' كبير الموظفين، غير أن عالم المسرحيتين بشكل عام واقعي، وينقل بطريقة كاريكاتيرية تحوله الى نوع من المسخرة النابعة أساسا من الاغراق في الواقع، وهذا على عبثيته الظاهرة، يسير بالمسرحية نحو هدفها في كشف الفساد والجمود الاخلاقي·
وقال خشبة: إن مسرحية 'اللي بعده' تتعرض لظاهرة الطوابير التي انتشرت في مصر في السبعينات، ومن خلالها تصل لفكرة ميتافيزيقية عميقة، حيث ان الطابور العادي البسيط يصبح معادلا للحياة والوجود نفسه، وهي الفكرة الاعمق في المسرحية، حيث ان الحياة عبارة عن طابور طويل يبدأ بالميلاد وينتهي بالموت·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©