الأحد 1 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

صحافة الإمارات: من ورق الكرتون إلى الفضاء الإلكتروني

صحافة الإمارات: من ورق الكرتون إلى الفضاء الإلكتروني
1 ديسمبر 2005
دبي ـ إبراهيم الملا:
الحديث عن الصحافة المعاصرة في الإمارات وعن تطورها المتسارع وحضورها القوي والمتنوع والمنافس لمثيلاتها في الصحافة العربية والدولية، لابد وأن يقود المرء للبحث عن جذور هذه الصحافة، وعن بدايات الاحتكاك المرئي والتوثيقي مع الكلمة والمعلومة كشكل بديل ومبتكر ومتجاوز للتقاليد الشفهية عند نقل وتداول الخبر بتضميناته المفتوحة على رصد الهاجس السياسي العام ومتابعة التحولات والأحداث الداخلية، ومن تعبير عن الاهتمامات الأدبية والفكرية والاجتماعية·
بدأ هذا الخروج من عالم الصحافة الفطرية، كما يشير معظم الباحثين المحليين مع بداية ظهور طبقة الطواويش في أوائل القرن الماضي، حيث كانت رحلات التداول التجاري إلى الهند سببا في تعرف هذه الطبقة على الأشكال الأولى من صيغ تثبيت الخبر ونقله من مرحلة الروي والحكاية الملفوظة، إلى مرحلة التوثيق الورقي والنشر والطباعة، خصوصا وأن مطبعة (حيدر آباد) الحجرية في الهند كانت تتعهد طباعة وتوزيع الكتب والمنشورات التي تلقفها هؤلاء الطواويش ووجدوا فيها شكلا جديدا ومبهرا من أشكال التعامل مع الكلمة المكتوبة، فعندما أحضر الطواويش وتجار اللؤلؤ نسخا من هذه المنشورات إلى مجتمعاتهم وإلى أوساط الطبقة المثقفة المحدودة آنذاك، تحولت الحساسية الجديدة في التعامل مع الشكل المطبوع إلى نوع من العدوى والبحث عن بدائل ورقية لتثبيت الخبر، وعن وسائل جديدة لتوثيق المعلومة السماعية الخارجة من أجهزة الراديو ومن أفواه الرواة ومتداولي الأخبار والأحداث، وحتى من الشعراء والفقهاء وعشاق المجالس والمنتديات·
يشير السيد عبدالعزيز المسلم مدير دائرة التراث في الشارقة والباحث في شؤون الثقافة الشعبية، إلى أن الفضل في ظهور الأشكال البدائية للصحافة المكتوبة في الإمارات يعود لفترة نشوء مرحلة التنوير الثقافي في بداية القرن الماضي، والتي أسسها نخبة من أصحاب الفكر والفقه والتعليم آنذاك، نذكر منهم على سبيل المثال: إبراهيم محمد المدفع ومبارك الناخي، لأن اولئك المؤسسين ساهموا في النقلة النوعية التي حولت الخبر من مجرد صورة ذهنية تصل لفئة محدودة من المستمعين إلى نمط وشكل آخر يعتمد على الكتابة والتوثيق وتدشين مرحلة صحفية وإعلامية جديدة حتى وإن كانت تعاني من القصور والتعامل البدائي مع أنماط الكتابة والنشر·
ويشير المسلم أيضا إلى التأثيرات المباشرة للحربين العالميتين في إشاعة نوع من الفضول لدى الأهالي في البحث عن الخبر السياسي الطازج المتعلق بتطور الأحداث في العالم، خصوصا وأن وجود الإنجليز وقواعدهم العسكرية في المنطقة كان مرتبطا بالحرب وبالأحداث السياسية والتوجهات الاقتصادية في ذلك الوقت، وهناك كتاب مهم في هذا السياق ألّفه الباحث حميد بن سلطان الشامسي بعنوان (نقل الأخبار) يشير فيه إلى التغيرات الكبيرة التي ساهمت الحرب في إحداثها داخل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية لإمارات الساحل المتصالح، فمن ضمن هذه التغييرات ظهور طبقات وشرائح اجتماعية متفاوتة في المكان، ومن ضمن هذه الشرائح ظهرت طبقة التجار والطواويش الذين ساهموا في إيصال المطبوعات والصحف المصرية في رحلة طويلة من (حيدر آباد الدكن) في الهند وحتى المناطق الداخلية لسواحل الإمارات·
صحف الإنجليز والمنشورات السرية
ويضيف المسلم: 'اشتهرت الشارقة في العشرينات بوجود ظاهرة المجالس التي كانت تقام خارج البيوت، ومنها مجلس إبراهيم المدفع ومجلس النابودة، ومن أقدم المنتديات التي ظهرت في الإمارات في ذلك الوقت، المنتدى الذي أقيم بجانب سوق العرصة، وكان يدير المنتدى شخص يدعى (حميد الكندي)، وفي هذا الجو المفعم بالأخبار والمرويات ظهرت الرغبة القوية في إصدار ما يمكن أن نسميه بدايات الصحافة الشعبية أو العفوية من خلال وضع صحيفة حائطية في مجلس إبراهيم المدفع أطلق عليها أسم (صحيفة عمان) التي ظهرت في العام 1927 وكان يحررها (المدفع) بخط يده، راصدا من خلالها الأخبار العربية والداخلية، ومعلومات عن رحلات الغوص وحكايا البدو، وكان المدفع يستعين بالمعلومات والأخبار الواردة في الصحف العربية التي كانت تصل إليه متأخرة مثل الهلال والأهرام والرسالة والشورى والمقتطف·
وفي مطلع الثلاثينيات قام إبراهيم المدفع بتأسيس صحيفة (العمود) التي تبنت النقد السياسي الحاد للأوضاع الداخلية في الإمارات وفي الخليج عموما، أما الصحيفة الثالثة والشهيرة التي أسسها المدفع العام 1933 فكان اسمها (صوت العصافير) وساهم في تحرير موادها بخط يده مع مجموعة من الشباب المتحمس من الشارقة ودبي وحتى من البحرين والكويت، ونذكر منهم :حميد الكندي، وعبدالله بن فارس، وحسن المدفع، وعلي محمد الشرفا، وحنظل صالح، وعبدالرحمن المعاودة من البحرين، وعبدالله الصانع من الكويت، وكانت توزع كمنشور سري بين الأوساط المثقفة لأنها تبنت النقد اللاذع للوجود الإنجليزي في المنطقة، وكانت الصحيفة تهاجم شخصيا الضابط السياسي الإنجليزي، وتنتقد السياسية البريطانية الساعية لتثبيت أقدامها في الشارقة العام 1938 من خلال القاعدة الجوية البريطانية، وأدى ظهور (صوت العصافير) إلى تشجيع الشباب الآخرين على توزيع منشورات سرية شبيهة بها وإلصاقها ليلا على جدران الحارات والأسواق، كنوع من المقاومة الخفية والمستترة للاحتلال·
وشهد العام 1961 صدور نشرة باسم (الديار) كانت تُطبع وتُنشر بتقنية الستانسيل، وأصدرها كل من حميد بن ناصر العويس وعبدالله بن سالم العمران وعلي محمد الشرفا، وسعت هذه النشرة لمعالجة القضايا الملحة في تلك الفترة ومواكبة المد النهضوي والثقافي في الدول الخليجية والعربية المجاورة·
ويعقب المسلم: يبدو أن وجود مطبعة للإنجليز في محطة القاعدة الجوية قد ساهم بشكل أو بآخر في بروز ظاهرة الصحف والمنشورات والتي كانت تصدر كنوع من الدعاية لشرعية وجود الإنجليز ولتحسين صورتهم في المنطقة، وكان هناك شخص يمثل دار المعتمدية البريطانية ويدعى (جاسم الكضماوي) يقوم بتحرير نشرة مضادة للمنشورات السرية التي كان يوزعها الشباب ذوي النزعة القومية والتحررية، وكان (الكضماوي) يقوم بالرد أيضا على المقالات المنشورة في (صوت العصافير)·
وهناك شخص من الإمارات مهتم بجمع التحف والمقتنيات النادرة أسمه (أحمد ناصر) عثر في الفترة الأخيرة ومن خلال مزاد على الإنترنت على صحيفة نادرة كانت تصدر في الثلاثينيات وباللغة الإنجليزية أسمها (الشارقة)، فقام بشرائها، وهذا يدل على أن مطبعة المحطة كان لها دور في صدور هذه المجلة·
وأذكر أيضا إنني في إحدى جولاتي في بريطانيا للبحث عن معلومات وصور تتعلق بحصن الشارقة (قبل ترميمه) عثرت على شخص يدعى (محمد الحمدان) يملك مجلة بريطانية نادرة صدرت في العام 1944 أسمها (الحرب والعالم) بغلاف أسود وقطع من فئة ء3 وكانت تصدر باللغة العربية من خلال ترجمة النص الإنجليزي، وعثرت على ثلاثة أعداد من هذه المجلة، وكل عدد يحتوي على ملف خاص عن إحدى إمارات الدولة (أبوظبي والشارقة وعجمان)، وقمت بشراء النسخة الخاصة بإمارة الشارقة لأنها تحتوي على صور نادرة للحصن ومن زوايا لم يعد يتذكر أوصافها أحد، ويبدو من توجهات هذه المجلة أنها كانت تسعى لتحسين وجه بريطانيا العظمى في العالم العربي والدعاية للمشاريع الخدمية التي كانت تؤسسها بريطانيا في البيئات والمجتمعات الفقيرة والمتخلفة·
(النخي)··· وأكياس الإسمنت !
ويحدثنا السيد محمد النيادي مدير دائرة إدارة التراث بالعين عن الطبيعة الملتبسة والغامضة لصحيفة (النخي) التي صدرت في مدينة العين العام 1930 قائلا: أسس صحيفة (النخي) شخص يدعى (مصبح بن عبيد الظاهري) كان يدير دكانا صغيرا ومقهى شعبيا في العين، حيث قام بتحويل أوراق الكارتون الزائدة وأكياس الإسمنت إلى منشور صحفي شعبي كان يعلقه في صدر المقهى ويورد فيه بخط يده أخبار الحوادث والأعراس والمواليد والوفيات، وكان يروج أيضا للمشروبات والمأكولات التي يبيعها في مقهاه، ومن ضمنها (النخي) أو الحمص المسلوق، حيث كان يكتب وبشكل يميل للطابع الإعلاني عن الفوائد والمنافع الكثيرة لهذه المادة الغذائية!، ومن هنا جاءت تسمية هذه الصحيفة التي أسست لبدايات الصحافة الأهلية في الإمارات ولشكل جديد ومبتكر من الوسائط التوثيقية الخاصة بنقل الأخبار وترويجها، وتطورت صحفية (النخي) بعد ذلك من خلال وضع الرسومات التوضيحية الجميلة،ووضع إحصائيات يومية للقادمين والمغادرين من وإلى مدينة العين !، وابتكار أبواب للمقامات الأدبية والشعر المتعلق بالفخر والغزل، وأبواب أخرى للنقد السياسي والاجتماعي ووضع أقسام خاصة بالأخبار والأحداث المحلية المتعلقة بمدينة العين والإمارات الأخرى·
وكما تفيد المصادر، فإن أولى النشرات الرسمية المنتظمة والدورية التي أسست للشكل المهني والاحترافي في عالم الصحافة المحلية قد بدأ مع نشرة (أخبار دبي) الصادرة في العام 1965 على شكل نشرة (تابلويد) من صفحتين يسجل عليها التقرير الشهري لبلدية دبي وأخبار المناقصات، وتوسعت النشرة بعد ذلك عندما أصبحت تهتم بأخبار الإمارة والحاكم والمراسيم التي يصدرها، وساعد إنشاء دائرة تابعة للإعلام في دبي على تطوير وضع النشرة التي تحولت إلى مجلة أسبوعية منتظمة الصدور كل سبت، وأصبحت شيئا فشيئا تهتم بالموضوعات الجماهيرية والأحداث العربية والعالمية والقضايا السياسية والاجتماعية، حتى أنها كانت تنتقد أحيانا أنشطة البلدية وتناقش حالة الطرق والخدمات بجرأة كانت تبدو مستغربة في ذلك الوقت، ويسجل لمجلة (أخبار دبي) أنها أول من أدخل الألوان إلى مجال الصحافة في الإمارات·
وعند صدور مرسوم من حكومة دبي بإصدار صحيفة يومية بديلة وشاملة بأسم (البيان) في العام ،1980 عادت مجلة (أخبار دبي) الأسبوعية لتتحول من جديد إلى نشرة داخلية تصدر في البلدية، وبعد ثلاثة أشهر توقفت المجلة عن الصدور نهائيا·
صحف حديثة وصحافة بلا ورق
شهد يوم الأثنين 20 أكتوبر 1969 حدثا إعلاميا مهما تمثل في صدور أول صحيفة يومية في الإمارات وهي (الإتحاد) وذلك في الفترة التي كانت تبذل فيها جهود حثيثة لإقامة نوع من الإتحاد التساعي بين إمارات الساحل المتصالح وقطر وعمان، وكانت المادة الصحفية ترسل بالبريد إلى بيروت لتطبع هناك في المطبعة التجارية والصناعية وتعاد النسخ ثانية إلى أبوظبي، إلى أن اضطلعت مطبعة أهلية في مدينة زايد القديمة بمسؤولية طباعتها في أواخر عام ،1970 وخاضت (الإتحاد) في نهاية عام 1971 تجربة مهمة يمكن النظر إليها على أنها البداية الحقيقية للصحافة اليومية الحديثة في الإمارات عندما صدرت الصحيفة ولعدة أيام متتالية مع إعلان قيام الدولة بطريقة الجمع اليدوي للرصاص ( اللينوتيب) عن طريق مطبعة بن دسمال الأهلية، وظلت (الإتحاد) هي الصحيفة اليومية الوحيدة في الإمارات ولعدة سنوات خصوصا بعد توقف صحيفة (الخليج) عن الصدور من عام 1972 وحتى عام 1980 ، وفي العام 1981 دخلت (الإتحاد) مرحلة جديدة بعد إنشاء مطبعة ثانية في دبي تنقل إليها المادة الصحفية كل يوم بعد إعدادها وتوضيبها وإخراجها عن طريق استخدام شبكة الميكروويف، وذلك للتغلب على مشاكل النقل والمواصلات وتأخر وصول النسخ للإمارات الأخرى، أصبحت (الإتحاد) بذلك أول صحيفة عربية تستخدم هذه التكنولوجيا الجديدة·
وشهدت السنوات الأخيرة لجوء معظم الصحف والمجلات والدوريات لفضاء الإنترنت اللاورقي للوصول إلى أكبر شريحة من القراء على مستوى العالم، وأصبحت للمواقع الإلكترونية لغة تخاطبية خاصة تعتمد على إمكانيات الوسائط المتعددة بصورها المتحركة وإمكاناتها الصوتية وزخم الألوان وسهولة الوصل للصفحات والأخبار المهمة، بحيث تحولت صفحات الكمبيوتر التي تضمها هذه الدوريات إلى احتفالية بصرية ولونية وصوتية، مهدت للمشاركة الفورية والمباشرة والتفاعلية مع القراء الذين يبعدون آلاف الأميال عن مراكز الإصدار الأصلية، ولكن ورغم هذا التطور النوعي الذي مس الصحف والمنظومة الإعلامية بشكل عام، إلى أن الحنين للشكل الورقي مازال سائدا ومسيطرا على معظم القراء، ومازالت الألفة والحميمية هي صفة القراءة التقليدية والمرغوبة للصحف، رغم كل ما يشاع عن سيطرة الصحافة الإلكترونية والإعلام المستقبلي على عيون وقلوب وهواجس القراء المستقبليين أيضا !!
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©