8 أكتوبر 2008 23:20
إن مجرد تفكير القائمين على مسرح خورفكان للفنون في تقديم مسرحية للأطفال من طراز ''جيم أوفر'' أو ''اللعبة انتهت'' من تأليف وإخراج وديكور الفنان مرعي الحليان، هو في حد ذاته مغامرة درامية كبيرة وعمل يستحق كل الاهتمام والتقدير والمتابعة، فقد توجت المسرحية العام الماضي بجملة من الجوائز حصدتها من مهرجان الطفل بالشارقة من تنظيم جمعية المسرحيين بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة، ومن أهمها جائزة أفضل عرض مسرحي، بالإضافة الى جائزة أفضل إضاءة لسالم العسيري، وجائزة أفضل إخراج·
من جانب آخر فإن ميزة هذا العمل تتمثل في ارتقاء مضمون وفكرة المسرحية، ومخاطبتها لعقلية الأطفال باحترام، بعيدا عن عروض الأطفال الساذجة التي تحفل عادة بالثعالب والدببة والأرانب وصراعها مع الأسود في الغابة، وانتصار الخير على الشر ، في إطار أصبح خارج ذهن وعقلية الأطفال التي دخلتها ادهاشات الألعاب الإلكترونية من كل حدب وصوب· ناهيك عن حاجة أطفال اليوم الى مخاطبة عقلانية ورسالة واضحة يستطيع المسرح النظيف تقديمها إليهم إذا ما حسن استخدام أدوات المخاطبة وطريقة التناول على مستوى دراما الفكر ودراما الصورة·
''انتهت اللعبة'' التي شاهدها أطفال أبوظبي لمدة ثلاثة أيام على مسرح أبوظبي بكاسر الأمواج ضمن مهرجان العيد لنادي تراث الإمارات، تقع في سبعة مشاهد تحكي قصة تلميذين هما: خلود (حسن يوسف) وعبود (ذيب داوود) اللذان يبدآن العرض بكسرهما لحاجز الإيهام المسرحي بدخولهما من صالة الجمهور وإشراك الأطفال في لعبتهما الإلكترونية المحببة، لكن سرعان ما تنقلنا لحظة الاكتشاف الى عالم جديد، حينما يجدان نفسيهما في لعبة أخرى تدور في إحدى الممالك البعيدة، فيقرران استكمال لعبتهما في إطار ''التشخيص'' إذ سرعان ما يحققان الفوز في مراحل اللعبة التي تحتم قوانينها أن يتنازل لهما ملك المملكة (يوسف الكعبي) عن التاج والرداء والصولجان، ويطلب منهما تولي حكم المملكة لتبدأ مرحلة أخرى من اللعبة وقد أصبح خلود الملك الجديد، وعبود مساعدا له، ومرحلة زمنية أخرى تتجسد في صراعهما مع ملفوف (محمد جمعة) وزير التجارة، وملهوف (عبد الله سعيد) وزير الخبر، واللذين أشاعا الفساد والظلم والجوع والإرهاب في نفوس شعب المملكة·
كوميديا الموقف
لقد أدار مرعي الحليان صراع الشخصيات في إطار تناغمي يتكئ على كوميديا الموقف، وكيف نجح في جذب جمهور الأطفال وإضحاكهم على طريقة خلود الهزلية في صراعه مع العسكر والحرامية، وكيف نجح عبود في اكتشاف سر الرمز ''التمساح'' الذي كان يستخدمه ملهوف وملفوف في إخافة الناس، ولم يكن هذا التمساح القاتل سوى ''لعبة بلاستيكية''، في حين رسمت ''ثورة الورود'' التي قام بها أفراد الشعب بمعاونة العجوز وقامت بهذا الدور الممثلة ''صوغة'' أو (مريم عبد الله) في لوحة ختامية غنائية تمجد الوطن والتضحية من أجله والعمل بروح الجماعة، وتبعث برسالة المسرحية: إن الإنسان مهما وصل في حياته من سلطة ونفوذ وجاه ومال، فعليه أن يكون عادلا متمسكاً بجذوره وأصالته·
الانتصار السلمي
وكان بديعا أن تجسد لوحة الختام مفهوم الانتصار السلمي عن طريق الورد والمحبة والحوار وليس عن طريق الاقتتال وإراقة الدماء وإشاعة الفوضى، ولعل هذا التوجه الرمزي أن يسجل نجاحاً إضافياً لمؤلف النص الذي اعتمد ''العقلانية'' في مخاطبة جمهور الصغار ، وهو الذي أسهم في إعطاء الممثلين فرصة الإحساس بجمهورهم الذي شاركهم فرحة الفوز على الشر بالمشاركة في اللوحة الأخيرة الممتلئة بالغناء والحركة وحب الوطن·
ما يميز ''انتهت اللعبة'' هو مضمونها الذي يصلح للصغار والكبار، وفي الجانب التقني فهي تتمتع بإمكانات فنية كبيرة من استخدامات الديكور والإضاءة والأغاني، والموسيقى والسينوغرافيا ، وخيال الظل والتشخيص والملابس، والمؤثرات الصوتية الحية والمسجلة، ومن التحايلات الطريفة التي لجأ إليها المخرج استثماره للممثلين في إدخال قطع الديكور الى المسرح، بالإضافة الى لعب معظمهم لأكثر من شخصية مما كشف عن طاقات تمثيلية ممتازة سجلها كل من يوسف الكعبي وحسن يوسف ومحمد جمعة وصوغة·
التعليم والمتعة
ولكي يحقق المخرج للعرض ذلك البعد الفني المؤثر والهدف الفكري فقد استخدم أسلوبين هما: الأسلوب التعليمي القائم على منهج برتولد بريخت، مستمدا تلك النكهة التعليمية التي تجلت في حركة المجاميع· والثاني أسلوب كوميديا الفن الشعبية حيث الحركة السريعة المتلاحقة بما يتوافق مع حركة وتطور اللعبة المسرحية، هذا فضلا عن طابع الفن الكوميدي الذي جاءنا في إطار كاريكاتوري تناسب تماما مع استخدامات الموسيقى والمؤثرات الصوتية، فكل شخصية تحتها خط موسيقي، وجملة إضاءة خاصة، تكشفان عن حقيقتها، وتعبران عن ملامحها، وما يحسب لمخرج هذا العرض هو قدرته البارعة على تحريك المجاميع والشخصيات داخل تنقلات سريعة من تغيير الديكور لتحقيق أجواء تتناسب ومراحل اللعبة التي خطفت عقول الأطفال وصفقوا لها كثيرا· ولا شك أن المضمون الفكري الذي تحتويه هذه المسرحية ينطوي على تجربة شمولية في المعنى والصورة، حيث تتكامل عناصر الفرجة مع التشكيل المسرحي وفق إطار هندسي استثمر كافة إمكانات الخشبة في تشكيلات حركية استوعبت تماما رسالة وهدف العرض وبخاصة ما يتعلق بضرورة محاربة الفقر في العالم وإشاعة السلام بدلا من الحروب والتناحر ، بدا لنا من التنافر في اللون الأبيض لشخصيات الخير واللونين الرمادي والأسود لشخصيات الشر الممثلة بالجنود وشخصيتي ملهوف وملفوف·
من جماليات هذا العرض نجاحه في إشراك جمهور الأطفال في اللعبة المسرحية وإدخالهم في مراحلها، مما اكسب الإيقاع العام أكثر من مستوى فني، بالإضافة الى تحقيق ذلك التمازج الإنساني بين الواقع والخيال في معالجة درامية ارتفعت الى مستوى الفكرة والمضمون معا· فالبناء الفني محكم والشخصيات التي يفترض أنها تمثل أطفالا في مراحل سنية صغيرة، جاءت قريبة جدا من جمهور الأطفال الى حد التداخل، وهذا بحد ذاته انجاز أخرج العرض من التقليدية المشبعة بصور استهلاكية نفضها المسرح المعاصر من خريطته، الى فضاءات رحبة من التعبير الذي بدا واضحاً في محاولة جمهور الأطفال في الصالة مساعدة أبطال المسرحية في إيجاد حلول للخلاص من الفساد والشر، ناهيك عن تلك الأجواء المبهجة من الألوان والموسيقى والغناء والديكور البسيط والمعبر، والتزام الممثلين بالنص وفي طليعة هؤلاء محمد جمعة ويوسف الكعبي اللذان قدما لنا ثنائية راقية في التعبير والأداء والتوازن الشفيف في الحركة وإدارة الصراع·
ربما يكون من أخطر عيوب النقد المسرحي في الوطن العربي هو تعامل غالبية النقاد مع مسرح الأطفال على أنه مسرح بسيط يقوم على الاستسهال وحركات الهزل والإضحاك، بينما الصحيح هو أن هذا اللون من المسرح له أهميته وقيمته في التأسيس لمسرح الكبار وتربية جيل جديد من الممثلين والمخرجين والكتاب والجمهور لتحقيق التكامل في المسرح الذي ننشده·