الإثنين 2 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

السطوح.. الفناء المفتوح على المطلق

السطوح.. الفناء المفتوح على المطلق
25 يوليو 2019 04:35

كتابة وتصوير: لولوة المنصوري

هو السطح بهوائه وانفتاحه ورعشة الأجنحة في مداه، عتبة على الفراغ العظيم، حافة على السماء في كامل تحوّلها الطقسي، هو العمق والامتداد البصري، يكون البصر حرّاً في المدى، لا سقف يحدّ سفر البصر وسؤال المخيلة. السطح فناء مفتوح على المطلق -بانفتاحه الواسع على الضوء يحقق غاية روحية حسب معتقد بعض أهالي الخليج- كان مركزاً في البيت القديم حتى أواخر الثمانينات، وبات هامشاً بعدما واكبت الحداثة نمو الزجاج، أخذ زجاج النوافذ يمتص بهاء الضوء كله من السطوح، داخلاً به إلى الحجرات والصالات والممرات، طامراً ذاكرة الالتفاف العائلي القديم والاحتواء الحميم على سطح البيت. تغيرت وظائفه تدريجياً وفقد أهميته مع التحولات الجذرية في العمارة الخليجية والتأثر بالعمارة الأوروبية، من شأن هذا التأثر المعماري أن غير وظائف عدة لبعض الأجزاء الداخلية المهمة في البيت، كان أولها السطح.

سر البيت الخليجي القديم كامن على سطحه، انسجام الحالة الضدية بين السر والسطح مفاده أن مفردة السطح المتعارف عليها تحتمل معاني القشرة والزغب والنضوح والكشف والوضوح، بينما سطحنا الذي نعنيه هو سطح عميق في مقصده، فضاء يكمن ستره في انكشافه، مركز اللجوء، ولا يلجأ المرء إلى مكان إلا في حالة الهروب مما يهدده أو يُعمل فيه الضيق والأحزان، ولعل فعل الهروب ذاته إذا ما تأملناه فإنه يقتضي السريّة في أدائه، فلا وجود لهروب علنيّ أبداً. ولذا قلنا إن السطح القديم كان مفطوراً على حفظ أسرار أهل البيت، سر هروبنا الجماعي العائلي إذا ما تخففنا من الثياب وصَهَدَ الحرُّ الجسد أو ضاقت علينا حجرات البيت. وفي مواسم القيظ وانقطاع التيار الكهربائي تتحول السطوح إلى منامات من الرطوبة يُرش عليها الماء لتبرد في الليل، تتحول إلى مراقد بين المجرات البعيدة، وفي عين الساهر تتشكل حزمة واضحة من الضوء عبر سماء الليل، ترشح بالسكون والخيالات، فيبدأ الرائي بتصنيف مسافاتها ورصد أطيافها وهو سابح في تأمل عرس السماء، ويخال أن النجوم قد اختصرت الزمن كثيراً، أو أنه قد طار بين الأجرام أخيراً.

بريد الرسائل الوجدانية
يحضر سطح البيت الخليجي القديم كتلويحة عاطفية تهتف باللقاء والمغامرة وحنان النظرة والوعود.
لا مكان غير حضن السماء يلفنا إذا لاح سحر الحب وتنادت الأشواق بين المتآلفين على السطوح. ويترتب على ذلك أن نقول إن السطح مكان للتخلص من غموض الحب الأرضي والانفتاح على غموض أكبر، غموض فنتازي مريح تحتويه السماوات.
يتحول السطح إلى مكان سرّي في البيت، مكان الحوار العاطفي رغم الخوف الاجتماعي. فالمجتمع في الأسفل يكره فعل التلاقي ولو بالنظر، يضع القيود ويفرض المسافات، بينما في الأعالي يُمكن مغافلة العالم ولو من خلال نظرة بعيدة أو بث أغنية أو رسالة وجدانية توضع بين سطحين يتجاوران، يتلاقيان وفق المعمار الخليجي القديم، حين كانت البيوت الخليجية تلتصق ببعضها بعضاً وتتقارب، وكأن عاطفة ما تجمع بين البيوت، وحدة نفسية ولا يمكن لبيت أن يقوم منفرداً بأركانه عن البقية.
كان سطح البيت مؤتمناً على مغامرة رسائل الحب، هو المرسال والبريد القديم وساعيه، يتبادل المحبون رسائلهم عليه، فلا مكان أكثر براءة وأماناً من هواء السطح، يثبّت أحد الطرفين الرسالة على جدار السطح بحجر ويتعجل الهبوط إلى فناء الدار خوفاً من الوشاة أو من فتنة قد يزرعها المجتمع. أو قد تحمله الشجاعة في أقل حدودها فيتوارى عن النظر في زاوية ما، ليرقب لهفة الطرف الآخر على الرسالة. لا أجمل من براءة الحب وعذريته على سطح البيت القديم!

سطح الحمَام
على سطح البيت تنشأ حكايات الصبيّ مع الحمام، لماذا يختار السطح لينشئ عليه مملكته الخاصة المكونة من أقفاص كبيرة تتسع للحمام وله؟ مربو الحمام يهتمون بالأسطح ولا تهمهم الفناءات السفلية، وعلى السطح يقضي الصبي ساعات طوال في أقفاص الحمام، يمعن وينعم النظر في معانيها، يراقب طيرانها الهائج وعودتها الراضخة إلى القفص، يلاحقها قفزاً من سطح إلى سطح إلى أن يجد نفسه خارج القرية، ولم يكن القفز من حائط السطح عملاً بطولياً آنذاك، بل هو فعل اعتاد عليه الصبية، إذ كان منفذاً ممكناً للهروب من البيت ساعة أن ينام الكبار.
في رواية (حوّام) (1) للكاتب والباحث البحريني حسين المحروس التي اعتمد فيها على شخصنة السطح وأنسنة الحمام ومنحه بعداً أنثوياً في الطباع، يأخذ سطح البيت في هذه الرواية دور البطولة، تحوم أهم أحداث الرواية عليه وعلى طفل يُعد من أشهر صيادي الحمام في البحرين، السطح كله لحمامه، وهو هناك في الأعلى، غارق في الرّيش، صامد لقساوة الصيف والغبار والرّيح ومزاج المطر، لم تفلح السنوات التي مضت من عمره في إقناعه بضرورة النزول إلى الأرض والبحث عن لعب آخر غير تقليد الحمام، ابتدع شكلاً جديداً من الوحدة، وكان في البدء يأتي الأطفال من آخر القرية ليرقبوه وهو يقلّد دون انقطاع هديل الحمام.
يمر زمن طويل كفيل بالنسيان، قالوا: (صار حمامة على السطح)، وما عاد ينتظر نزوله أحد، وحده سطح البيت يحفظه والحمام يتذكره. وبقي الناس لسنوات يرون ظل صبي يطير في السماء كحمامة، ويغيب مثل شبح..
ما إن تغيب السحابة حتى تمتلئ السماء بالرّيش.

سطح غليلة
على غليلة، كأنك تقف على سطح بيت يمتدّ إلى نهاية الحدود، يظن المار على أرضها أنه يسير على سطح بيت عظيم الاتساع، إذ إن البحر من البلدة يجمح في العلوّ الساحر ليلامس أقدام السماء، تراه من أوله إلى أقصاه، وتحصي عدد المراكب والسفن المسافرة على سطحه، هكذا تكون الرؤية التي تذكرك بالفرضية القديمة لطاليس، حين تصوّرَ الأرض مسطحة تطفو على الماء مثل الخشب.
غليلة بلدة جبلية تقع أقصى شمال ساحل إمارة رأس الخيمة، يفصلها عن البحر سهل أخضر من النخيل والغوّيف وأسوار زراعية قديمة، لا أظن أن سكان غليلة بحاجة إلى السطح لرؤية البحر، فالرؤية الزرقاء ممكنة من فناء البيت، وكأن بحر غليلة يقف هو الآخر على سطح بيت كبير، ليراك ويلقي عليك تحيّة ملاح قديم.
على أرض غليلة نتصوّر أن كل كائن بإمكانه رؤية البحر من مسافة بعيدة حتى لو كان حجراً صغيراً أو حشرة ضئيلة تدبّ بين الحُفر، يدهشك علوّ البحر وقامته وتخال أنك والبحر تمضيان في خط واحد، إنك والبحر سطح واحد، سطحه من ماء، وسطحك من يابسة.

سطح المحرّق
في البحرين حدثت أولى بوادر تراجع هوية السطح الخليجي، وفُقِدت أحاديث السمر على السطوح مع بدايات التحولات ودخول العمارة الكولونيالية أو الاستعمارية التي لم تهتم بوجود الحوش أو الفناء المفتوح واستعاضت عن ذلك بالبيوت المغلقة وبسور البيت المفتوح على الشارع المناقض تماماً لضرورة تحقيق الستر في العمارة التقليدية.
إلى سبعينيات القرن المنصرم كان سلطان الضوء يرسل نظرة الفجر الخافتة على أسطح البيوت العتيقة والسكك الضيقة، تنزلق سحابة نور زاهدة على السطح، تصدح المآذن، يُطوّق الأفق الأزرق البحر بأول حركة إنسانية، يهطل تكبير الرجال والصبية في الزّقاق الطويل بخضوع مطلق، وبخفة كالرذاذ، تُكبّر المحرّق، تُصلّي المحرّق كلها لترزق بفال الصباحات الطريّة. كان سطح البيت العتيق في المحرّق مرتبطاً بنسوة الحكايات، هو المكان الأكثر راحة لتمدد الذاكرة والحكي، لما يوفره السطح من أفق مفتوح وأصوات تتناهى من لهو الأطفال في السكك الضيقة ومن نداءات البحارة على الشاطئ، وأصوات الأسواق والباعة المتجولين، يمنح السطح عاطفة حرّة للمرأة لتنسج حكاياتها الخرافية تحت ظل العريش وجذوع النخيل، ترتجل النسوة أهازيج الصباح بصوتهن العذب الأغَنْ، تجري الأشعار كما تجري المراكب بالأرزاق، يشذبن الحكايات ويتدارسن القصائد ويتذاكرن الأحداث، زائرات مسنّات مفعمات بالضحك الخالي من زيف الحياة ونفاقها، وكأن رافداً من الحكايات الخرافية بات يتدفق بالبراءة والنقاء من سطح المحرّق إلى قاعها.

سطح فاطمة المرنيسي في فاس
سطح المرنيسي هو سطح المرأة الباحثة عن الاختلاء بالنفس، عن قضاء اليوم وحيدة مستسلمة للرّاحة دون أن تستشعر ذنباً أو تبحث عن أعذار لمجتمع يفرض عليها بشكل دائم التواجد في الأسفل لتلبية احتياجات الآخرين وتحقيق سعادة ليست لها في نهاية المطاف.
السطح الذي طمحت إليه فاطمة المرنيسي في صباها وهي في بيت تحيطه الأسوار العالية والحريم هو سطح المتأملة الباحثة عن هدوء متفرّد، سطح الهاربة من الضجيج الجماعي، من الانتماء للثوابت والجدران، مفتوح على الأفق كقمة جبل، يمنح النساء أجنحة للحلم، سطح دون حواف وحيطان، ولا نعني هنا أن ذلك السطح كان قابعاً في أحلام فاطمة، وإنما هو سطح واقعي يعلو سطح البيت الذي تسكنه في فاس، إلى حدّ أن أي حركة في غير محلها قد تقذف بالمرء جثة هامدة على الأرض، سطح أعلى يغطي السطح الأسفل، ولم يكن هناك درج يؤدي إليه لأن المفروض ألا يصعد إليه أحد، فهو سطح سريّ ممنوع، وفي المنع تكمن الرغبة والفضول البشري ومحاولات الوصول، فكيف إذا كان الفضول نسائياً؟ تقول المرنيسي: (ولكن كل من في الدار كان يعلم بأن النساء اللائي يعانين من الهمّ، يتسلقن إلى هذا السطح للعثور على الهدوء والجمال اللذين كانا في حاجة إليهما، إن الاكتئاب أو ما كانوا ينعتونه لدينا بالهمّ مرض غريب) (2).
ما إن يطأ المرء ذلك السطح حتى يشعر للوهلة الأولى بالفزع والارتعاد وانقطاع الأنفاس والندم، سطح ممنوع رغبت بزيارته المرنيسي في طفولتها، كانت من خلاله كل المآذن بما في ذلك مئذنة القرويين تمتد أمامها وكأنها لُعب صغيرة في مدينة مصغرة، سطح سريّ يعدّ امتثالاً لمعنى التحرر وإزالة الحدود: (كنت وما زلتُ أعتقد بأنه لا يمكن تصوّر السعادة من دون سطح... طبعاً كنا نحلم بالذهاب إلى السطح الممنوع علينا وهو أعلى سطح في الدرب). (3)
........................................................................
(1) رواية حوّام، حسين المحروس، صدرت عن الدار العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 2008م
(2) فاطمة المرنيسي، نساء على أجنحة الحلم، ص: 159، المركز الثقافي العربي.
(3) المصدر السابق، ص: 157

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©