سلطان العميمي
لم تعرف ساحة الشعر النبطي في دولة الإمارات تجارب شعرية نسائية أثارت الانتباه إليها خلال الثلاثمائة سنة شعرية السابقة مثلما أثارته تجربة الشاعرتين بنت الماجدي بن ظاهر، وعوشة بنت خليفة السويدي.
وإذا كانت بنت ابن ظاهر التي توفيت قبل زهاء ثلاثة قرون، قد حظيت بسيرة شعبية ما زالت تروى إلى يومنا هذا، وقصيدة وحيدة ما زالت محل جدل، فإنه يمكننا اعتبار الشاعرة الراحلة عوشة بنت خليفة السويدي، ابنتها التي ورثت عنها شعلة الشعر، لتمثل مرحلة مهمة في تاريخ الشعر النسائي في دولة الإمارات، وفي مسيرة الشعر النبطي فيها بشكل عام. إذ تعتبر تجربتها من التجارب التي ساهمت في تجديد القصيدة النبطية في دولة الإمارات خلال القرن الماضي، سواء من حيث توظيف المفردة المحلية بذكاء ومهارة أو من حيث تركيب الجملة الشعرية وسبكها.
وكانت الشاعرة عوشة بنت خليفة تُذيل قصائدها سابقاً باسم «فتاة الخليج»، وتقديراً لموهبتها الشعرية المتفردة أطلق عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لقب «فتاة العرب»، ثم حملت شاعرتنا شهادة تميّز كبيرة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حين أثنى على قصائدها ومكانتها الشعرية، مخاطباً لها في إحدى قصائده التي جارى فيها قصيدة من قصائدها:
يا ركن عود الهوى وفنه
شاقني جيلك بالأوصافِ
طيف رويا لي مشجّنّه
شطّ بك والحقك لاتلافِ
وشاعرتنا المولودة في عام 1920 نشأت في أسرة أدبية عُرِفَتْ بقرضها الشعر، فوالدها خليفة بن أحمد السويدي شاعر معروف، ووالد أمها أحمد بن خلف العتيبة كان أيضاً شاعراً معروفاً، ولذلك بدأت موهبتها الشعرية في البزوغ مبكراً حينما أخذت تنظم الشعر، وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، ولبدايتها مع الشعر قصة عجيبة، إذ حلمت ذات ليلة أنها تبتلع القمر، وكان ذلك الحلم إيذاناً بدخولها عالم الشعر وبوابة لمسيرتها المهمة فيه.
عملت شاعرتنا على تطوير موهبتها الشعرية عبر قراءاتها قصائد شعراء الفصحى أمثال المتنبي والمعري وأحمد شوقي، ثم قراءة قصائد شعراء النبط في المنطقة مثل الماجدي بن ظاهر وسعيد بن عتيق الهاملي وراشد الخلاوي وسليم بن عبدالحي ومحسن الهزاني والعوني وغيرهم، واستطاعت بجدارة أن تشق طريقها الخاص في ساحة شعرية كان للشعر الذكوري فيها الحضور الأبرز، واستطاعت أن تقدم قصائد ذات لون خاص ومميز منذ بداياتها الشعرية، كما استطاعت أن تحظى في فترة قصيرة بمكانة شعرية ليس من السهولة على الكثير من شعراء عصرها أن يحظوا بها في حينه.
وللشاعرة عوشة بنت خليفة مساجلات شعرية مع كبار الشعراء في دولة الإمارات، على رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشعراء أحمد بن علي الكندي وسعيد بن هلال الظاهري.
لقد كان في التجربة الشعرية الثرية للشاعرة «فتاة العرب»، تأكيد على الحضور الشعري النسائي القوي في الساحة الشعرية الإماراتية، وشقت بقصائدها مساراً خاصاً بها في عالم الأغنية الشعبية، وانتقلت بالأغنية الإماراتية إلى آفاق عربية غير مسبوقة من حيث الانتشار، ووصول مفردات لهجتها.
وكانت بدايات قصائدها المغناة من خلال صوت الفنان علي بالروغة، وصوت الفنان الراحل جابر جاسم الذي كان مما غنى لها قصيدة لاقت شهرة كبيرة في حينها، مطلعها:
يا شوق هزّنيه هوى الشوق
هزيز غصنٍ تاح الأوراق
كلّ غْرضٍ مِ الوقت ملحوق
إلا وصول الصاحب اشفاق
ثم غنى لها الفنان ميحد حمد قصائد لاقت نجاحاً كبيراً، مثل:
حد مثلي بات مشجنّه
حلم ليلٍ مرّ خطافِ
واغتنم من وجدي الونه
يوم كلٍّ بالكرا غافي
أو مثل:
هبّ شرتا لافحٍ ترسا
من فيوي دبي نسناسه
ياب لي في مسمعي همسا
وحرّكت من قلبي اجراسه
ثم تغنت بقصائدها الفنانة عزيزة جلال، وعدد آخر من كبار الفنانين والفنانات، من داخل الإمارات وخارجها.
وتتميز التجربة الشعرية عند «فتاة العرب» بثراء لغتها وسعة قاموسها الشعري المستمد من مختلف البيئات التي عاشت فيها، كما تعددت الأغراض الشعرية التي كتبت فيها، وقد أصدر الأديب الراحل حمد بن خليفة أبو شهاب ديواناً شعرياً مهماً لها في التسعينيات من القرن الماضي، ثم صدر ديوان شعري آخر لها منذ سنوات، من إعداد الدكتورة رفيعة غباش، ضم عدداً أكبر من قصائدها.
وفي رأيي أن التجربة الشعرية لفتاة العرب تستحق اهتماماً نقدياً كبيراً، يليق بما قدمته من منجز أدبي للساحة الشعرية في الإمارات.