محمد وردي (دبي)
عرض «مسرح دبي الشعبي» مسرحية «القنديل» مساء الخميس الماضي بمقره في الممزر بدبي، بمشاركة اثني عشر شاباً وست صبايا، من أصل حوالي خمسة وثلاثين متدرباً شاركوا بورشة فنية دامت ثلاثة أسابيع نظمها مجلس إدارة مسرح دبي، بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع.
وحضر العرض سعيد الزعابي رئيس قسم المسرح والسينما بالوزارة، وياسر القرقاوي مدير «مهرجان دبي لمسرح الشباب»، مسؤول الفعاليات في «هيئة دبي للثقافة والفنون»، والفنانون عبدالله صالح الرميثي رئيس مجلس إدارة مسرح دبي الشعبي، وعادل إبراهيم نائب رئيس المجلس، ومحمد سعيد السلطي، وحافظ أمان وجمهرة كبيرة من الفنانين والإعلاميين وجمهور كثيف تفاعل مع العرض، وأمطر الممثلين (المتدربين) بالتصفيق الحاد مرات عدة.
الشمس الحقيقية
يحكي العرض المقتبس من نص للأديب الراحل غسان كنفاني بعنوان «القنديل الصغير»، قصة ملك يموت ويورث المُلك لابنته الوحيدة، ويترك لها وصية تقول: إنها لن تحكم ما لم تتمكن من إدخال الشمس إلى القصر خلال أربعين يوماً من وفاته. فتحتار الأميرة الصغيرة بالمسألة، وتستعين بوزرائها فيحبطون عزيمتها على أنها «مزحة» لا تستدعي الاهتمام، وتلجأ للحكيم، فيبث في نفسها العزيمة والإصرار على ضرورة حل اللغز، مع التأكيد على أن المسألة ممكنة، وتحتاج إلى التفكير العميق، وأن الملك الراحل هو حكيم ولا يتفوه بالحماقات أو الجنون كما يزعم الوزراء، لكنه لم يقدم لها الحل. فتبحث الأميرة في كل الاتجاهات، وتجرب معظم الاقتراحات عبثاً، وفي النهاية تخصص جائزة كبيرة لمن يأتيها بالحل من أهل المملكة، فيتسابق أصحاب المصالح من المحتالين والأفاقين من دون إقناعها بحلولهم، ويطول ليلها وتتأرق، وقبل نهاية مهلة الأربعين يوماً، تخرج ذات مساء إلى إحدى شرفات القصر، فيلوح لها قمر من بعيد، وكلما حدقت به تزايدت الأقمار واقتربت من القصر، حينها تأمر حراس المملكة بفتح الأبواب، فيدخل أهل المملكة يحملون القناديل التي توهجت بأنوار أكثر سطوعاً من الشمس، وتدرك حينها أن أهل المملكة هم الشمس الحقيقية التي عناها الملك الراحل، في إحالة رمزية مرهفة إلى دفء التواصل بين الحاكم والمحكوم.
الفتى النجم
لقد تمكن الممثلون من تقديم «القنديل» بإقناع فني إلى حد ينبئ بولادة جيل جديد من المسرحيين الشباب، الذين يتمتع بعضهم بالموهبة، كما هو حال الفتى عبد العزيز حبيب (14 عاماً) الذي قام بدور الراوي بطريقة لافتة، جعلت أحد المنتجين يقدم له عرضاً للعمل بمسرحية جديدة، ما إن فرغ من التكريم، كما كشف ذلك بنفسه لـ«الاتحاد» ولكنه لم يعرف تفاصيل العرض الجديد، إلا أنه يحتفظ برقم الهاتف الذي دونه للاتصال بالمنتج لاحقاً.
ولدى سؤال الفتى النجم عما يبحث عنه في المسرح، وماذا وجد بعد عرض «القنديل»، قال بثقة إنه يريد أن يكون نجماً مسرحياً، لأنه يحب التمثيل، وهو في العادة لا ينقطع عن تقليد النجوم في البيت والمدرسة والشارع في كل الأوقات، وبعد العرض تأكد أنه يريد أن يكون ممثلاً. وبخصوص ما تعلمه بالورشة، قال إنه استفاد كثيراً، مثل كيفية الدخول في الحوار، أو الدور ومن ثم الانسحاب في الوقت المناسب، وكذلك عملية تقليد (تقمص) الشخصية والتفاعل معها، بالوجه والحركة وسوى ذلك.
حساسيات جديدة
وفي حديث خاص لـ«الاتحاد» يقول الفنان عبدالله صالح الرميثي، أحد المشرفين الرئيسيين على الورشة بالتعاون مع الفنان محمد سعيد السلطي إن المتدربين جميعهم لديهم بعض الحساسيات الفنية، ولكنهم ليسوا على مستوى واحد بالنسبة إلى الوعي المسرحي، والاستعداد أو القابلية للتعليم والاستفادة القصوى من المدربين، كما كان الحال مع جيلنا أو على الأقل مع جيل منسق الورشة المخرج حمد الحمادي، أو المخرج مروان صالح وغيرهما من الفنانين الذين باتوا نجوماً ويحصدون الجوائز في المهرجانات بالوقت الحالي. ملاحظاً أن الصبايا هن الأكثر التزاما بمواعيد التدريب، والأكثر حرصاً على الاستفادة القصوى مما يُقدم لهن.
ومع ذلك يعتقد الفنان الرميثي أن هناك نحو ستة من المتدربين (شباب وصبايا) يمتلكون موهبة واعدة ولديهم القابلية الممتازة للتعليم، وينبئون بجيل مسرحي جديد، يستطيع أن يبني على التجارب السابقة، ويضيف إلى الحركة المسرحية الإماراتية زخماً جديداً، «وهذا ما يجعلنا بمسرح دبي الشعبي سعداءً رغم التعب والجهد الكبير الذي بذلناه خلال الورشة، فهذه هي غايتنا، وهذا هو مشروعنا الذي نذرنا أنفسنا له، ألا وهو النهوض بالمسرح الإماراتي من خلال احتضان المواهب الشابة». رافضاً الكشف عن أسماء الموهوبين الذين تحدث عنهم، «حتى لا يُحّبَط الآخرون».
ولدى رده على سؤال بخصوص «السر» الذي يجعل ورشة مدتها ثلاثة أسابيع تُخَرِّج ممثلين يلقون استحسان الفنانين المخضرمين قبل الجمهور؟ يقول الرميثي هناك جملة أسباب يحرص عليها في الورشة، بمقدمتها الحرص على «وضع آلية نعمل عليها»، تتميز بأسلوب خاص لانتزاع الموهبة وتظهيرها، سواء من خلال المحاضرات، أو من خلال المحفزات، مثل توزيع الجوائز على المتدربين عندما يؤدون بعض اللقطات بإتقان، بالإضافة إلى وضع سلم درجات حول عشر موضوعات يجري تقييم المتدرب على أساسها، تشمل الالتزام بمواقيت التدريب والاجتهاد والسلوك والأداء والإبداع. كذلك يجري تكليف البعض بقيادة مجموعات، لخلق حالة الانسجام والتناغم بالعمل، وتعويدهم على الإدارة والتعاون البناء. وختم متوجهاً بالشكر لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لدعمها ومساهمتها الإيجابية والبناءة في رفد الساحة بدماء جديدة تثري المشهد المسرحي.
مفاجآت شبابية
وبدوره يقول ياسر القرقاوي: إن الورشة استطاعت بجهد الفنانين الكبار، أن تقدم مواهب جديدة حقيقية، يحكي عنها عرض «القنديل» ويقدمها بما تستحق، وهذا يكفي. مؤكداً أن هيئة دبي للثقافة والفنون «حريصة على تقديم الفرص الكبيرة للمبدعين الشباب، وأن مهرجانهم المقبل ينطوي على مفاجآت مسرحية ستنال الإعجاب والتقدير». رافضاً الكشف عنها في الوقت الراهن، «لأن الاستعدادات لإنجازها قائمة على قدم وساق، والموعد بـ«مهرجان دبي لمسرح الشباب» في سبتمبر المقبل.