أحمد النجار (دبي)
تعتبر مائدة العيد أو ما يعرف بـ «فوالة العيد»، عادة قديمة وتقليداً تراثياً متأصلاً في الذاكرة الشعبية الإماراتية، تعيش في الوجدان الإماراتي، ويتوارثها جيل بعد آخر، لارتباطها الثقافي والاجتماعي بحياة الأولين، فضلاً عن كونها تمثل جوهر الأصالة والكرم والشهامة وقيم الضيافة العربية بتقاليدها النبيلة.
أكلات شعبية
قال سعيد بن مبارك: «إن (الفوالة) عبارة عن مائدة متواضعة، تحتوي على بعض الأكلات الشعبية وأنواع من الحلوى والتمور والبخور والعطور كأحد عناصر الترحيب والضيافة العربية، حيث يتم تجهيزها قبل قدوم العيد بأيام، ويرافقها مظاهر وطقوس مختلفة تبدأ من ليلة العيد، وتوضع الملابس الجديدة على المبخرة، أو ما يعرف بـ(المدخنة) حتى الصباح، وتمتلئ زوايا البيت بالطيب، وتسكن البهجة عيون الصغار الذين ينتظرون بشغف زيارة الأهل والأقارب لتسلم (العيدية)».
تابع سعيد بن مبارك، حديثه بوصف أجواء البيوت القديمة والفرجان التي تعمها روح التواصل بالتهاني الحارة المصحوبة بالابتسامات والتحيات الودية التي تساهم في تقوية روابط الأسرة، وتعزيز أواصر المحبة والألفة بين أبناء القبائل والعائلات المتجاورة، وكان أغلب الأهالي يتحملون عناء السفر، ويقطعون مسافات طويلة من إمارة لأخرى، من أجل تقديم واجب الزيارة وصلة الأرحام، وتبادل تهاني العيد.
مكانة خاصة
وعن جوهر «فوالة العيد» بما تحتويه من قيم وعادات جميلة، يعود الشاعر والباحث التراثي سلطان خلفان بن غافان، بذاكرته إلى سبعينيات القرن الماضي، مستهلاً حديثه شعراً: «العيد عيدنا وصلينا.. واحلا العيد البنياتي.. نطلب المعبود يعطينا.. يمزر إيدينا جنيهاتي».
وقال: «إن (الفوالة) كانت متواضعة جداً، وتحتل مكاناً خاصاً على صدر مجلس المنزل، وتختلف عناصر الضيافة من منزل لآخر، فكانت لدى الميسورين تضم أكلات شعبية، مثل الثريد والهريس والعيش باللحم وغيرها، بينما تحتوي مائدة بسطاء الحال على خبز الرقاق واللقيمات»، لافتاً إلى أن «زمن أوّل» لم تكن الحلويات حاضرة كما اليوم، فقد كانت تقتصر على الخبيص والساجو والكامي، من دون أن يتجاهل أدبيات تقديم الرطب والتمور والقهوة العربية ضمن طقوس الضيافة في العيد بصفة خاصة والمناسبات الاجتماعية بصفة عامة.
عادات لا تندثر
وأكد ابن غافان أن «الفوالة» بوصفها عادة تراثية ستظل حاضرة في الوجدان الإماراتي، ولن تندثر من الذاكرة الشعبية، مشيراً إلى أن هناك قيماً اجتماعية اختفت بين الماضي والحاضر، وطقوساً جميلة ربطتنا بـ«فوالة العيد»، وجمعت النفوس والقلوب على مائدة واحدة، أما اليوم، فقد تغيرت الأحوال والطباع وأمزجة الناس بسبب نمطية الحياة وإيقاع العصر المتسارع، حيث كانت تكثر زيارة الأرحام بين أبناء الفريج، ويتجمع الأهالي في مجلس واحد لمدة ثلاثة أيام متتالية، يتبادلون الأحاديث، ويناقشون الأوضاع، ويتقاسمون اللقمة والحياة ببساطة محببة.
وتوجه ابن غافان برسالة للأجيال الحالية بضرورة احترام النعمة وعدم الهدر أو المباهاة في «الفوالة»، والمبالغة في موائد العيد، فالإسراف لا يبرر فرحة العيد، معتبراً أن جوهر العيد يتمثل في قيمته الاجتماعية في نعمة التواصل الحقيقي واللمةّ وتحقيق الألفة وتلمّس أحوال البعض، وبدلاً من المظاهر والذهاب إلى المولات، يجب استثمار العيد في معايدة الأهل والأقارب، فقديماً لم يكن لدى الأولين متنفسات ترفيهية للصغار، فقد كانوا يتجمعون في الفريج، الصبيان يستمتعون بالمفرقعات، والبنات يلعبن على الأرجوحة.
وأضاف ابن غافان: «هناك مظاهر اجتماعية مفقودة، فمثلاً التهاني بالرسائل الإلكترونية لإسقاط العتب، بينما كان التزاور بين الأولين يكلفهم وقتاً وجهداً شاقاً سيراً على الأقدام، من إمارة إلى أخرى، لمعايدة أقاربهم وأحبائهم».
مهمة نسائية
ولفتت أمينة راشد، حرفية في صناعة السدو، إلى أن إعداد الفوالة مهمة نسائية بامتياز، حيث تحرص ربات البيوت على تجهيزها بالعناصر والمأكولات كافة كرمز للضيافة والترحيب بالأقارب والأهل، حيث يتم تجديدها يومياً، وتستمر طوال أيام العيد، موضحة أن هناك فروقاً جوهرية بين فوالة الأمس وفوالة اليوم، فالجميع يحرصون على الجلوس إلى «الفوالة»، لتبادل عناصر الضيافة بين الجيران والأقارب، أما اليوم، فلا تجد حرارة الإقبال نفسها أو تناول بعض محتوياتها بسبب العجلة في المعايدة، وأحياناً لا تجد ضيوفاً يقبلون عليها، بحجة أنهم تناولوا من مأكولاتها في منزل آخر.
تزاور وبساطة
أشار عبيد بن صندل، الباحث في التراث الشعبي، إلى أن «فوالة العيد» كانت تتسم بالبساطة والتقاليد الاجتماعية التي كانت تمثل حلقة وصل بين الأهالي والقبائل والأسر الإماراتية في مختلف إمارات الدولة، وهي عادة تراثية توطد العلاقات وتربط الناس ببعضهم بعضاً، وتؤكد أهمية إحياء التزاور الاجتماعي ومعايدة ذويهم وأقاربهم.
وأوضح أن «فوالة الأولين» في العيد، كانت تحتوي على المأكولات الشعبية الأساسية، مثل الهريس والخبيص والثريد والساجو، أما الحلويات، فكانت تحتوي على المنفوش «شعر البنات» والبلاليط، ومع تبدلات العصر، فقد حلّت الحلوى العُمانية والفواكه بأنواعها ضيفة على «الفوالة»، إضافة إلى بعض المكسرات وغيرها.