الخميس 20 يونيو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

هؤلاء الحمقى

هؤلاء الحمقى
29 يوليو 2011 20:02
عرفت دكتور عباس وهو طبيب مقيم فقير، كان يقول لي وهو جالس على الفراش في مسكن الأطباء المهدم يرتق جوربه، إذ يبلل طرف الخيط بلعابه: ـ “هؤلاء الأطباء القدامى لا يرحمون ولا يقبلون أعذاراً ، كأن الثراء يزيدهم قسوة”. مر بفترة عسيرة هي الامتحانات، ثم حصل على درجة التخصص ونال الترقية وصار مختصاً. جاء في تلك الليلة وهو مليء بالسعادة وقال لي: ـ “هؤلاء الأطباء المقيمون مهملون، إنهم صنف من القمامة التي يجب التخلص منها، لم يعد هناك أطباء مقيمون مثل من كانوا في أيامنا”. وبدأ يرثي لنفسه، باعتبار أنه من جيل الرواد العظام، حصل على درجة الدكتوراه، وصار استشاريًا، لكن آلامه تزايدت: ـ “هؤلاء المختصون لا يفقهون شيئاً، يجب على المرء أن يعاملهم بقسوة”. ثم حصل على درجة أستاذ مساعد، وكنت أعرف ما سيحدث حتماً، لأنه جلس أمامي منهكاً وطلب لفافة تبغ أشعلها، ثم غطى وجهه وقال: ـ “هؤلاء الحاصلون على الدكتوراه، يعتقدون أنهم بلغوا ذروة العلم، إن الدكتوراه لم تعد تساوي شيئاً في هذه الأيام”. وكان قد صار ثريًا يركب سيارة فاخرة، ولديه عيادة ناجحة. لكنه كان يرى أن هذه نتيجة طبيعية لكفاحه. ثم أنه صار أستاذاً فبدأ ينتقد الأساتذة المساعدين الذين لا يملكون أي درجة من الكفاءة، إن الطب ينهار بالتأكيد، إن الطبيب الجيد صار عملة نادرة. لما صار عميداً لكلية الطب، كان أول ما قاله عندما ذهبت لأهنئه هو: ـ “إن معظم الأساتذة هنا دون المستوى، في الماضي كان لفظ (الأستاذ) كفيلاً بأن يغير خرائط العالم، لكن صبراً سوف يرون”. بعد هذا جاءه خبر رائع يخبره بأنه صار رئيس الجامعة، وكان رؤساء الجامعة يتم تعيينهم لا انتخابهم في ذلك الوقت، قال في كلمته الأولى التي ألقاها في مكتبه: ـ “أنا متضايق من العمداء بصراحة، لم يعودوا كما كانوا في الماضي”. رحت أنتظر في رعب أنباء تغيير الوزارة وتولي (عباس) منصب وزير ليكتشف أن كل رؤساء الجامعة كسالى، لكن هذا لم يحدث لحسن الحظ، وفيما بعد خرج إلى المعاش ونسيه الجميع فلم يعد أحد يهتم به. ذات يوم أصيب بنوبة قلبية بعد عشاء دسم، راح أهله يطلبون عدة أطباء، لكن – وهذه طبائع الأمور كما تعلم – لم يذهب إليه أحد، إن الناس يحترمون أنفسهم ويتصرفون كما تتوقع منهم فعلاً. طلبوني لأنني أحمق، فذهبت إلى داره وأعطيته بعض العقاقير حتى بدأ يشعر براحة، سألني عما إذا كنت قد حصلت على الدكتوراه، فقلت له إنني ما زلت طبيباً مقيماً. قال لي: ـ “لا أحد مثل هؤلاء الأطباء المقيمين يعرف كيف ينقذ المريض، إنهم لم يفقدوا روح الرحمة والإحساس بألم المريض، كما أنهم لا يفتقرون إلى البراعة”. لا أعرف إن كانت الأيام القادمة ستجعله يبدأ الدورة من جديد فيزدري الأطباء المقيمين، أم يتحرك بالعكس فيحترم الكناسين وعمال الطرق. المهم أنه عاش حياة كاملة من ازدراء من هم أقل منه، والتعالي على الآخرين، ويبدو لي أن هذه الصفات صارت مهمة جدًا للنجاح اليوم. د. أحمد خالد توفيق
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©