الخميس 18 ابريل 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الثورات العربية.. ما لها وما عليها

الثورات العربية.. ما لها وما عليها
28 سبتمبر 2011 16:39
كسريان النار في الهشيم، انتشرت الثورة في العالم العربي من مشرقه في اليمن إلى مغربه في تونس.. سيطر خطاب الثورة على العقل السياسي العربي مغيبا كل الخطابات الأخرى، وبات الواقع والمستقبل العربيين معلقين على ما ستتمخض عنه هذه الثورات الراهنة. فخلال أشهر معدودة اهتزت عروش رؤساء عرب، كما ارتعبت إسرائيل وارتبك الغرب وسارعا لمحاولة احتواء الثورة، للحد من تداعياتها على مصالحهم. لا شك أن مفردات خطاب الثورة، ملأت الخطاب السياسي العربي، خلال العقود الثلاثة الموالية للاستقلال، بل وقبل الاستقلال، إذ كانت تطلق على حركة الشعوب في مواجهة الاحتلال، لأن كل حركة تحرر وطني تعتبر ثورة إلا أن مفردات الثورة أخرجت من ماهيتها ومن دلالتها اللغوية والاصطلاحية العلمية، وأخذت معان سوسيولوجية وسياسية تبشيرية حينا، وشعارا يوظفه كل شخص أو حزب يطمح في السلطة او يقدر على تهييج الجماهير حينا آخر. ناهيك عن تداخل مفهوم الثورة أيضا مع الانقلاب العسكري، والحرب الأهلية، والفوضى والاحتجاجات، والانتفاضات الشعبية المطلبية... إلخ. هكذا يقدم الدكتور إبراهيم أبراش، الأكاديمي الفلسطيني، الذي أقام في المغرب لسنوات طويلة، قبل توليه منصب رئيس قسم الاجتماع والعلوم السياسية بكلية الآداب الأزهر بغزة، كتابه “الثورات العربية في عالم متغير” الصادر حديثا في المغرب ضمن منشورات الزمن. يقول أبراش: إن العالم العربي ما بعد الاستقلال ـ باستثناء الحالة الفلسطينية ـ لم يشهد حراكا شعبيا “واسعا يجوز توصيفه بالثورة الشعبية، إلا ما جرى في تونس ومصر في يناير 2011، وما تلاهما من ثورات. فبعد شهر من خروج الجماهير التونسية للشارع في مواجهة نظام فاسد ودكتاتوري هرب الرئيس زين العابدين بن علي من البلاد وسقطت الحكومة. فبدأت تونس عهدا جديدا من الإصلاحات، وفي مصر التي شهدت إرهاصات الثورة والتمرد على النظام القائم منذ سنوات، وتزايدت بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي اعتبرتها المعارضة نهاية المراهنة على التغيير، من خلال النظام القائم، خرجت الجماهير المصرية في محافظات الجمهورية كلها بمظاهرات تطالب برحيل الرئيس حسني مبارك، وهو ما جرى يوم الحادي عشر من فبراير، إذ تنحى الرئيس واستلم الجيش مسؤولية إدارة البلاد، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للاجتهادات والتفسيرات، فهل ما جرى في تونس ومصر ثورتان انجرتا أهدافهما؟”. بانتظار الإجابات ويتساءل الدكتور أبراش: “هل ما يجري في اليمن وليبيا والبحرين وسوريا ثورات أم حروب أهلية أم هي (الفوضى الخلاقة) الأمريكية؟ وهل بمجرد خروج الناس للشارع وهروب الرئيس، أو تخليه عن السلطة يمكن القول إن الثورة حققت أهدافها؟ وماذا بالنسبة لتداعيات المد الثوري على القضية الفلسطينية وعلى الصراع في الشرق الأوسط بشكل عام؟”. ويجيب: ما جرى في تونس ومصر، وما يختمر من أحداث وتطورات في أكثر من بلد عربي، يحتاج لقراءة موضوعية وعقلانية بعيدا عن العواطف والانفعالات، لأن الآتي من الإحداث هو الأهم والأصعب، وبه ستكتمل الصورة، بحيث يمكننا أن نتحدث عن ثورة شعبية ناجحة أو عن شيء آخر بعد التدخل الخارجي، الغربي خصوصا، في مجريات الأحداث، ومع وجود مؤشرات لمحاولة الجماعات الإسلامية ركوب موجة الثورة وتوجيه الأمور لما يخدم سياساتها بقبول ضمني من الغرب. ويستدعي الأمر أيضا استقراء ما يجري انطلاقا من فقه الثورة الذي تراكم عبر التاريخ ومن تجارب الشعوب الأخرى لنضع ما يجري في سياق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، وخصوصا محاولة الأنظمة التحايل على فقدان شرعيتها بتبني أشكال من الديمقراطية الأبوية والموجهة تغرر بها الجماهير، بالإضافة إلى محاولات واشنطن تغيير الشرق الأوسط جغرافيا وسياسيا بما يتوافق مع مصالحها، موظفة ما أطلق عليه مفكروها الإستراتيجيون (سياسة الفوضى الخلاقة)، وأحيانا يكون الحد الفاصل ما بين الثورة والفوضى الخلاقة خيط شعرة. في الفصل الأول من هذا الكتاب “الثورة.. كمشاركة سياسية شعبية خارج الأطر الرسمية”، ينظر الدكتور أبراش إلى الثورة كجزء “من الحياة السياسية، وتعتبر فعلا سياسيا ولكن خارج إطار القانون والنظام السائد، وغالبا ما تكون ضدا عنهما وفي مواجهتهما، كما أن الثورة فعل سياسي عنيف غالبا، وعنفها يتفاوت ما بين تعطيل المؤسسات القائمة بالإضراب والعصيان المدني وبين مهاجمة المؤسسات الرسمية والمرافق العامة، وأحيانا تصل الأمور لدرجة الحرب الأهلية، وغالبا ما كان مصدر العنف النظام السياسي الذي يقوم الشعب بالثورة لإسقاطه، موظفا أجهزته الأمنية ونخبه المنتفعة وما بات يعرف بـ (البلطجية). ولأن الثورة فعل سياسي يعبر عن مصالح وتوجهات، فإن الموقف منها يتفاوت ما بين مؤيد ومعارض، ودائما يكون المعارضون ممن بيدهم مقاليد الأمور من نخب سياسية واقتصادية، والمؤيدون يكونون من المتضررين من الأوضاع القائمة. كما أن الثورة السياسية لا تنفصل عن الأوضاع السياسية القائمة، ذلك أن تزايد الفجوة ما بين الشعب والنظام السياسي القائم وانغلاق أفق المشاركة السياسية الديمقراطية من أهم أسباب اندلاع الثورات. كما يتوقف المؤلف في هذا الفصل لتسليط المزيد من الضوء على كلمة “ثورة” وتقريبها من أذهان القراء معتبرا أن لفظ “الثورة” يستعمل في كل العلوم “ولوصفها بكل متغير عنيف ومفاجئ يطرأ على الظواهر، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية أو سياسية، ولأن حضور المصطلح في السياسة والاجتماع موجود منذ وجود المجتمعات الإنسانية، وحيث أن الديانات تعتبر الثورات موحى بها من السماء، فإنها، أي الثورة، تحتاج لتوضيح وتفسير حتى نكون على دراية بما نتحدث عنه”. مفاهيم ومصطلحات ويقدم أبراش مقاربة مفاهيمية لمصطلح الثورة، فيقول إنها من المصطلحات المخضرمة التي واكبت ظهور الدولة والحياة السياسية منذ ما قبل التاريخ. ومع أن مفهوم الثورة الذي ساد على غيره من المفاهيم هو ثورة الشعب ضد الاستعمار أو ضد أنظمة استبدادية، إلا أن مفردة الثورة لغة لا تقتصر على هذا الجانب، بل تشمل كل فعل يؤدي إلى تغيير الأوضاع تغييرا جذريا، سواء كانت أوضاعا طبيعية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. ومن هنا نستعمل كلمة ثورة في سياقات مختلفة، كالقول بالثورة الصناعية أو الثورة التكنولوجية... إلخ، لوصف التغييرات الجوهرية التي تطرأ على حياة الشعوب وعلى الحضارة الإنسانية. وفي هذا السياق العام يمكن الحديث عن أشكال متعددة من الثورات: 1- الثورة الحضارية: ونقصد بها التغييرات أو التحولات التي طرأت على الحياة الإنسانية وعلى مسار تطور البشرية وفي هذا السياق يمكن الحديث عن: أ- الثورة الزراعية: والمقصود بها التحولات التي حصلت في عصور ما قبل التاريخ، وتميزت بانتقال المجتمعات البشرية من حياة الترحال والصيد والالتقاط، التي سادت في العصر الحجري القديم، إلى حياة الاستقرار مع اكتشاف الزراعة بالمحراث وتدجين الحيوانات التي ميزت العصر الحجري الحديث. فمع اكتشاف الزراعة وجدت الأسواق والطبقات الاجتماعية والمدن والإدارة... إلخ. ب- الثورة الصناعية: بدأت الثورة الصناعية ـ حسب المؤلف ـ في إنجلترا، في القرن الثامن عشر، واستمرت اكتشافاتها وتداعياتها حتى القرن التاسع عشر، ثم انتقلت إلى بقية الدول الأوروبية ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم. وسميت بالثورة الصناعية، لأن الإنسان بدأ في التخلي عن الآلات اليدوية التي تعتمد على قوته العضلية، واعتمد بدلا منها على الآلات البخارية ثم الكهرباء، وتوظيف المواد الكيماوية، وتطوير استعمال المعادن بكل أشكالها وأساليب التعدين. ج- الثورة التكنولوجية: وتسمى الثورة الصناعية الثانية، حيث تتداخل هذه الثورة مع الثورة الصناعية، وتشكل امتدادا لها، ويعتبرها البعض الموجة الثانية للثورة الصناعية، وأهم معالمها التوسع والتطور العلمي، وخصوصا في مجال الصناعات الدقيقة المعتمدة على الطاقة الكهربائية والمحركات ذات الاحتراق الداخلي والمواد الكيميائية المستحدثة، وتكنولوجيا الاتصال الأولى، كنظم التلغراف والهاتف والبريد. د- ثورة المعلوماتية: ظهر هذا المصطلح في العقود الثلاثة الأخيرة متزامنا مع الحديث عن العولمة والتنمية الشمولية. وتعتمد الثورة المعلوماتية على عالم تكنولوجيا المعلومات حيث المادة الأولية لتطور المجتمعات لم تعد الأرض الزراعية ولا المصانع ورؤوس الأموال، بل المعلومة وسرعة تداولها عبر شبكات الاتصال بعيدة المدى، كالانترنت والفضائيات وأجهزة الكمبيوتر المتقدمة. وقد مكنت هذه الثورة الإنسان من سلع وخدمات معلوماتية لم تكن موجودة من قبل، مما وَسم مجتمع هذه الثورة بمجتمع المعرفة. 2- الثورات السياسية/ الاجتماعية: وهي تحرُّك الجماهير الحاشدة احتجاجا على أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية سيئة ومرفوضة. وتتسم هذه الثورات بسعيها لأحداث تحولات جذرية في حياة الشعوب، ويحقق بعضها أهدافها ويفشل بعضها ويتم تحريف بعضها عن مسارها. شهدت غالبية المجتمعات، عبر التاريخ، تحركات شعبية واسعة، إلا أنها تفاوتت، سواء في الحوامل الاجتماعية للثورة، أو من حيث درجة العنف المصاحبة للثورة، أو من حيث نتائجها وقدرتها على تحقيق أهدافها. وكثير من التحركات الشعبية التي نعتها أصحابها بالثورة، إما كانت محدودة الأهداف، أو فشلت في تحقيق أهدافها، وبعضها كان أقرب لحالات الفتنة والفوضى مما هو ثورة، دون التقليل من أهمية أي تحرك أو انتفاضة شعبية ودون الغوص في النقاشات والجدل حول توصيف الحركات السياسية، في التاريخ الإسلامي، فإن أهم الثورات الناجحة فيما بعد الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا هي: أ ـ الثورة البريطانية 1688 وقامت ضد حكم آل ستيورت. ب - الثورة الأمريكية 1776 ـ 1783 وهي ثورة اجتماعية وتحررية في الوقت نفسه. ت - الثورة الفرنسية 1789 ـ 1799. ث - الثورة الإيطالية 1884. ج - الثورة البلشفية 1977 في روسيا ضد الحكم القيصري. ح - الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ 1949، التي أطاحت بنظام شيانغ كاي شيك. خ - ثورة يوليو 1952 في مصر، مع أن جدلا أثير ومازال مثارا، إن كانت ثورة أم انقلابا عسكريا. د - الثورة الكوبية 1959، التي قادها فيدل كاسترو ضد حكم الدكتاتور باتستا. ذ - الثورة الإيرانية الخمينية 1979، التي أسقطت الشاه محمد رضا بهلوي. ر - ثورات شعوب أوروبا الشرقية بدءا من عام 1989 التي أطاحت بالأنظمة الشيوعية. ز - الثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004. التحرر الوطني ويتوقف الدكتور إبراهيم أبراش عند ما يعرف لدى عامة الناس بـ”ثورات التحرر الوطني” مؤكدا أن هذا النوع من الثورات يكون “الفعل الشعبي موجها ضد عدو خارجي يهدد الأمة، ومع أن هذا المصطلح حديث التداول، إلا أن الفعل الموصوف كان حاضرا منذ القدم، وكما بينا سابقا، عرفت غالبية الشعوب حالات مناهضة لعدو خارجي. ظهر هذا المصطلح مع الحرب العالمية الأولى مع تفكك الإمبراطوريات، وظهور مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم انتشر مع تبني الأمم المتحدة لمبدأ تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تم إطلاق صفة الثورة على كل حركة تحرر ضد الاستعمار. شهدت آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية سلسلة من الثورات التحررية، وان كان أشهرها ثورة الشعب الجنوب إفريقي، والثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية والثورة الفلسطينية التي مازالت متواصلة حتى اليوم، إلا أن لكل شعب ثورته الخاصة به. ففي الهند قامت ثورة سلمية قادها الماهاتما غاندي ضد الاحتلال البريطاني، وامتدت من عام 1915 حتى اغتياله من طرف هندوس متطرفين في يناير 1948، كما قاد عمر المختار ثورة الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي من عام 1911 إلى حين إعدامه يوم 16 سبتمبر 1931. وفي المغرب قامت ثورة عبد الكريم الخطابي الذي قاد عام 1924 ثورة في مناطق الشمال ضد الإسبان، وانتصر على الإسبان في معركة أنوال، وأقام جمهورية سميت بجمهورية الريف، إلا أن الإسبان والفرنسيين تحالفوا ضده وأنهوا الثورة، وقام الفرنسيون بنفي الخطابي إلى إحدى الجزر النائية في المحيط الهادي عام 1926. وفي فلسطين قامت ثورة عز الدين القسام في 1935، ثم الثورة الكبرى 1936، وفي مصر عُرفت ثورة أحمد عُرابي 1881، وثورة مصطفى كامل 1889، وثورة سعد زغلول 1919...إلخ. ويرى الدكتور أبراش في كتابه هذا أن الثورة لا تحدث بدون مسببات سواء “كانت ثورة بركان أو ثورة شعب، ففعل الثورة يأتي نتيجة لمتغيرات وأحداث تتفاعل مع مرور الوقت، وتؤدي للانفجار أو الثورة، إذ لكل ثورة مسبباتها أو صواعقها المفجرة، قد تكون وضعا اقتصاديا سيئا أو قمعا واستبدادا سياسيا أو هيمنة إيديولوجية وعقائدية أو كل هذه العوامل مجتمعة. فقد حولت الأنظمة العربية المجتمعات العربية لحقل تجريب الإيديولوجيات والأفكار كلها، فكانت تجاربها فاشلة. لهذا تنفجر الشعوب بثورات عندما يصبح الواقع السياسي والاجتماعي للشعب على درجة لا تُحتمل من التعارض مع العقلانية، ومع أدنى متطلبات الضرورات الحياتية. تحدث الثورة عندما تكتشف الشعوب بأن الأنظمة والنخب تغرر بها باسم الواقعية السياسية، أو باسم الوطنية أو باسم الدين أو باسم الديمقراطية، آنذاك تصبح الثورة واقعية سياسية في مواجهة الأمر الواقع الذي فرضته الأنظمة السياسية طوال عقود. الواقعية السياسية كما يعتبر الواقعية السياسية أنها لا تعني الاستسلام للأمر الواقع كما تُفهم عند البعض، ولا تعني أيضا سياسة القوة المجردة والمبنية على المصلحة، وتوازن القوى كما تُفهم عن آخرين، إذ يبرر الأولون عجزهم واستسلامهم للأمر الواقع، بالقول إنها الواقعية السياسية، ويبرر الآخرون عدوانهم، وهيمنتهم وتجردهم من أي ضوابط أخلاقية أو قانونية، بالقول إنها الواقعية السياسية. السياسة الواقعية العقلانية تعني إعمالا للعقل الجمعي للأمة في الواقع، العقل الجمعي بما يتضمنه من ثقافة وتجسيد وفهم لمصالح الأمة، هو الذي يموقع الواقعية، أما استسلاما وخضوعا للأمر الواقع أو تجاوزا وتطويرا لهذا الواقع، بمعنى أن الواقعية بحد ذاتها ليست أمرا سلبيا. ومن هنا يمكن القول إن الواقعية العقلانية للشعوب هي تحقيق الممكن، في الطريق نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي، إن كان العقل الجمعي للأمة مؤمنا ومتمسكا بثوابت الأمة ومصالحها الاستراتيجية. وعليه فالسياسة الواقعية العقلانية ليست امرأ سلبيا بالمطلق، بل تعني، في اجلى وجوهها، العقلانية السياسية، وكل فعل سياسي على مستوى القرارات المصيرية للأمة، يجب أن يؤسس على العقلانية، وليس على تهويمات الأيديولوجيا والأساطير. عندما تؤسس السياسة على الأيديولوجيات السياسية فقط، وهذه الأخيرة انقسامية وحالة عابرة ومتقلبة، تصبح السياسة أسيرة لها، ويصبح مصيرها مرتبطا بمصير الأيدولوجيا ومن يصوغها من أحزاب وزعامات. كما يؤكد الدكتور أبراش على أن الواقعية العقلانية لا تعني هيمنة القوي على الضعيف، ولا خضوع الضعيف للأمر الواقع الذي يفرضه القوي، بل هي نمط تفكير ونهج عقلاني في الممارسة السياسية، يقوم على فهم الواقع وموازين القوى التي تحكمه، والبيئة الداخلية والخارجية المؤثرة فيه، ويعني تجاوزا للتفكير الميتافيزيقي والأسطوري، وما أقام من دول ونظم سياسية، وبالتالي ارتبط، في مسار التطور السياسي للأمم، بوجود قيادة سياسية قومية ذات بصيرة وتعرف ما تريد، ولها مشروع سياسي قومي يشكل الحاضنة لهذه السياسة والقيادة. ويحذّر الدكتور إبراهيم أبراش في خاتمة كتابه هذا من انزلاق الثورة، في بعض البلدان، نحو حالة من الحرب الأهلية أو الإقليمية، الأمر الذي يتطلب من علماء السياسة والاجتماع الانكباب على دراسة ظاهرة الثورة بعمق، وخصوصا أنه لم تكتمل فصولها، ولم تظهر بعد كل أبعادها وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد يشهد العالم العربي عقدا من الزمن على الأقل لحالة من عدم الاستقرار حتى تظهر مفاعيل الثورات التي بدأها الشباب في تونس. من «برديات» الثورة عرفت البشرية كثيرا من هذه الثورات، فقد تحدثت مخطوطات فرعونية وبابلية ويونانية قديمة عن ثورة اندلعت في تلك العصور وتم تدوين بعضها بالتفصيل. ففي مصر القديمة تذكر بردية للحكيم إيبور ـ ور، ترجع إلى أواخر الأسرة التاسعة عشر أو أوائل الأسرة العشرين أن ثورة وقعت في عهد الملك بيبي الثاني (آخر ملوك الأسرة السادسة نحو 2380 ق. م.)، وتبدأ هذه البردية بوصف الوضع قبل الثورة، حيث ساد الفساد وتباعدت الشقة بين الملك والشعب بسبب فساد المحيطين بالملك، حيث إن “الذين حوله كانوا يغذونه بالأكاذيب، وصار الناس أشبه بقطيع لا راعي له، وتضيف البردية ما آلت إليه أحوال الناس من ترد بسبب فساد الوضع، حيث “نفذت الغلال في كل مكان، وترجل القوم من الملابس والزيوت والعطور.. وأصبح الصناع جميعا عاطلين، وأفسد أعداء البلاد فنونها.. وأصبح بناة الأهرام فلاحين.. وأصبحت العاصمة في خوف من العوز، وأصبح الناس يأكلون الحشائش ويبتلعون الماء، وقد يأخذون الطعام من أفواه الخنازير...”. وتنتقل بردية الحكيم إيبور ـ ور إلى وصف أحداث الثورة: “انظر لقد ارتفعت ألسنة اللهب، وامتدت نارها، وستكون حربا على أعداء البلاد، وقال حراس الأبواب فلننطلق وننهب، وأبى الحمالون أن يحملوا أحمالهم، وتسلح صيادو الطيور بأسلحتهم.. إن مخازن الملك أصبحت حقا مباحا للجميع.. هوجمت الإدارات العامة ونهبت قوائمها.. وفي الحق لقد ذُبح الموظفون وسُلبت دفاترهم، ولم تعد لكبار الموظفين كلمة مسموعة”. مجلات الشعر والشعراء في «البيت» صدر العدد المزدوج (17 ـ 18) من مجلة “البيت”، التي يصدرها بيت الشعر في المغرب، ويديرها الشاعر حسن نجمي، ويترأس تحريرها الناقد المغربي خالد بلقاسم. جاء العدد ثريا بمواده التي توزعت على 350 صفحة من القطع الكبير بطباعة أنيقة وجميلة. كلمة العدد تطرح سؤالا إشكاليا هو “هل يؤمِّن زمن العولمة ما به يستقيم نذر العمر لسؤال حي؟ ألا ينبني هذا الزمن على نسيان الوجود ونفي السؤال بما هو درب طويل وشاق؟ كيف نحمي درب الانتظار الكبير في زمن متهافت لا ينفك يضاعف غربة السؤال؟ كيف نؤمِّن للكتابة ما تتطلبه من الم وترقب وتحصين ضد الاستعجال؟. وأجرى الشاعر رشيد المومني حوارا تاريخيا مع الشاعر المعروف عبد اللطيف اللعبي، الذي وصفه المومني بـ”طائر الفنيق”، وهو “الرمز الذي يليق بالشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي، لكن دون أن ينأى بنا قيد حرف عن كينونته الإنسانية التي يسخو عليه رمادها بأضعاف ما يستبد به الحريق. ذلك ما تفضي إليه مسالك هذا الحوار، حين ارتأى أن يرحل بإنصاتنا إلى تخوم الظاهر والباطن التي دأب فيها الشاعر على الحفر والتنقيب القاسي والمُشوق في آن، بحثا عن تلك “المعادن النفيسة والمجهولة” التي تنضح فيها الكتابة بعرق مكابدة بشرية خبيرة باجتراح منهجية عصيانها، ضد كل أشكال التفاوض والمقايضة الممهورة بمداد المكر والتدليس. ونقرأ في قسم “أراض شعرية”، قصائد لكل من الطاهر بنجلون، إدمون جابيس، غيّيرمو إيبانييت، دلميرا زكوستيني، كابرييلا ميسترال، ألفونسيا ستورني، خوانا دي إيباربورو، منصف الوهايبي، عماد فؤاد، عبد الكريم كاصد، إدريس الملياني، أحمد لمسيّح، مبارك وساط، عدنان ياسين، محمد أحمد بنيس، عبدالعالي دمياني. وفي قسم “مؤانسات الشعري”، نقرأ لمجيد الخطيب “هاينريش هانية والشرق”، نبيل منصر “الكهف الشعري: أمسي الحاج من “لن” إلى الوليمة”، أما باب “مقيمون في البيت”، فقد خصص بالكامل للشاعر المغربي الراحل محمد غير الدين: شاعر الغضب. المسرح والأدب الرقمي في «علامات» خصص العدد الجديد من مجلة “علامات” المغربية ملفا خاصا عن المسرح، فضلا عن بحوث تناولت الأدب الرقمي ومواضيع أخرى تأليفا وترجمة. يتكون الملف المسرحي من تسعة مواد بحثية افتتحه الناقد حسن بحراوي بدراسة حول “الترجمة والمسرح”، حاول من خلالها استقصاء حالات الترجمة المسرحية في العالم العربي. وعاد الباحث مصطفى رمضاني، إلى تجربة مسرحية رائدة، راصدا “حضور الصيغ الجمالية الشعبية في مسرح محمد مسكين” الذي استطاع أن يوفق بين البحث الميداني في التراث وبين التنظير ليطبق نتائج جهوده في أعماله المسرحية”. وترجم الباحث رشيد بناني مداخلة مهمة لباتريس بافيس حول “النقد المسرحي في مواجهة الإخراج” كان قد قدمها بافيس في ندوة بسيول نظمت في موضوع “المسرحة الحديثة والنقد” حاول الإجابة من خلالها على سؤال مساهمة النقد المسرحي في تذوق أفضل للإخراج المسرحي مقدما سمات مهمات جديدة للنقد المسرحي. وأعادت الباحثة حليمة البخاري رسم بورتريه خاص للمسرحي الراحل محمد تيمد، الذي يمثل لحظة أساسية في المشهد المسرحي الهاوي بالمغرب، مقدمة قراءة جديدة عن علاقته بمسرح اللامعقول. وقاربت الباحثة سعاد درير مفهوم “العلامة في المسرح: الموقعية الوظيفة”، مبرزة متانة العلاقة العميقة بينهما رغم أن “تاريخ العلامة المسرحية يسبق المسرح بل ويسبق اللغة نفسها لأن المسرح شبكة من العلامات المركبة المتسمة بطبيعة معقدة”. وقدمت الباحثة حياة خطابي، ورقة حول مسرحية “لحساب تالي” التي تعد أهم أعمال مصطفى رمضاني والتي تؤسس كتابة درامية جديدة ومميزة تجمع بين الأصالة والمعاصرة ومن خلالها “يبني الرمضاني إنسانا جديدا”. واختتم الباحث محمد بشير الملف بدراسة حول “فلسفة المسرح نحو قراءة الممثل في ضوء التفكيك”، محاولا إعادة التفكير في الممثل من خلال أشكلته والتفكير فيه خارج أشكال التشييء. وفي باب الدراسات، افتتح الناقد سعيد بنكراد هذا الباب بدراسة حول “الخلاف والاختلاف: أو الفصل بين الواحد والمتعدد”، معتبرا أن الاختلاف “ حق لا يعطي للأغلبية ما يعود الى الأقلية بل يساوي بينهما في الحق والواجب”. وقام الباحث محمد اسليم بترجمة دراسة “الأدب الرقمي”، التي تشكل الفصل الأول من كتاب فيليب بوطز حول الأدب الرقمي، حيث قدم تعريفا له يشمل “كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط”، مؤكدا أن هذا الأدب “لا يشكل قطيعة أدبية بل هناك استمرارية أجرت نقلا للمسألة الأدبية بشكل تدريجي وبطيء”. وقارب الدكتور رسول محمد رسول رواية “اكتشاف الشهوة” للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق من خلال استقصاء مفهوم “الأنوثة المأزومة”.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©