في صناعته البدائية دخل التراب كأحجار كريمة، وكسرّ من أسرار الطبيعة الخيّرة بالعطاء، ومن مياه الأمطار الممتزجة مع التراب الموحل، أي ما يسمى بـ”الطين”، ظهر الفخار الذي يقال إنه أول اختراعات الإنسان في حياته اليومية. ويعتبر الفخار من الحرف التقليدية اللبنانية القديمة، لأن الحفريات والتنقيبات الأثرية التي تم استخراجها من باطن الأرض في العديد من المدن القديمة، يرجع تاريخ بعضها إلى الألف الثامن قبل الميلاد.
حرفة الفخار، مهنة تتطلب المهارة والاتقان، لأن كل نوع من الطين يحمل ألواناً وخصائص ونتائج بعد عملية خبزه بالفرن، ومتى عرف “معلم الصنعة” تكوينات المادة، وكيفية التعامل معها، بل والسيطرة عليها عبر إعطاء الشكل واللون واللوحة الفخارية التي يريدها من ناحية التصميم والهندسة، فإنه يتوصل إلى الكمال في التحفة. ويعتمد المفهوم اللبناني في صناعة الفخار، لاسيما في بلدة راشيا الفخار، على الطبيعة التي تميزه بخصائص تعطي سهولة ومرونة في التشكيل والحركة، وايضاً على المهارات الفنية والمهنية والموهبة، وكلها تندرج تحت ظاهرة القدرة الابداعية التي تتطلب توافقا بين الطبيعة والبيئة.
مهنة راسخة
في بلدة راشيا الفخار القديمة تسمع حكايات وأحاديث الأهالي، الذين يعتزون ويفخرون بتراث بلدتهم العريقة، وإن كانت هذه الصناعة باتت شبه منقرضة، بعدما ازدهرت عقوداً طويلة، سبقت ستينيات القرن الماضي، فالفخار في راشيا مهنة مترسخة ومتجذرة في ذاكرة أبنائها، الذين توارثوها من أجيال سابقة، فهي الأقدم في لبنان.
يقول سامر القحطان، لأحد العاملين في صناعة الفخار، إنها تتطلب الدقة والذوق والعمل الدؤوب، مشيرا إلى أن راشيا كانت تنتج من الفخار أكثر من ألف طن في السنة، تتضمن أباريق وجراراً و”خوابي” تستعمل لتخزين زيت الزيتون وغيره، عدا عن مجموعة ضخمة من الأواني الفخارية. وفيها من المصانع ما يفوق الـ60 مصنعاً، ومن الأفران أكثر من عشرين، يتسع الواحد منها إلى 500 حق (جرة صغيرة) وأشهرها فرن “عاكوشة” الذي أصبح فيما بعد “آتونا”.
ويضيف أن “صناعة الفخار وراثية وشاقة، والدليل أن الإبريق يمر بست مراحل قبل أن يصبح جاهزاً للبيع، مشيرا إلى أن إنتاج البلدة كان يطال فلسطين وشمال الأردن والجولان، وصولاً إلى عريش مصر، غير أن تصريف الإنتاج إلى هذه المناطق توقف حاليا ليقتصر على الأسواق المحلية.
وفي مطلع كل صيف، بحسبه، تبدأ الاستعدادات الميدانية في سباق مع الوقت، على أساس أن صناعة الفخار صناعة صيفية، وعملية بناء الأفران الخاصة بها، تتطلب جهداً ومثابرة، وهي تبدأ من الحجارة الفخارية الصلبة إلى الطين من الخارج. ومن المعروف أن الأفران تقسم إلى قسمين: “بيت النار”، حيث يحرق الحطب، والقسم الثاني العلوي الذي توضع فيه القطع المصنفة، حيث تبلغ درجة الحرارة نحو ألف درجة مئوية.
الأواني الفخارية
ويقول القحطان “يصنع الفخار بعد توافر التربة في المصنع، وتوضع في المكان المخصص لها، حيث يضاف إليها الماء بكميات للعجن حتى تصير طيناً، وتقسم حسب المقادير التي تحتاجها صناعة كل أداة وآنية، بعدها ترفع إلى القرص الدوار، الذي يبدأ “معلم الصنعة” بتحريكه من الأسفل بواسطة رجله، ليدور القرص مع الطينة لأخذ الشكل المطلوب، مع إضافات متكررة من الماء حتى تكون الآنية طرية ومرنة، ولتسهيل عملية النقش بعد أخذها التشكيل النهائي، ليتم أخيراً تجفيفها لمدة يومين وأكثر”. ويضيف “توضع الأواني بعد تجفيفها في الفرن لفترة تتراوح بن خمسة أيام وأسبوع للأواني والجرار والقطع الكبيرة، أما الأدوات البسيطة، فتوضع لمدة 12 ساعة إلى يوم، ومن المستحسن أن تكون عملية الحرق خلال الفترة المسائية. والجدير بالذكر أن الفخار يصنع من طينتين مختلفتين، إحداها بيضاء والثانية حمراء، فالأولى يصنع منها أدوات حفظ الماء والشراب، والثانية تصنع منها الجرار والحزوس”، لافتا إلى أن الأدوات المستعملة في عملية الإنتاج تتألف من القرص الدوار، والمنقاش، والحبل والمنخل والسكين.
ويوضح القحطان أنه “يستخدم في صناعة الفخار طين خاص، هو عبارة عن تراب أحمر مشبّع بماء المطر، يؤخذ من مناطق بعيدة عن المساكن وغير مؤهلة، لأنها تكون “مشبعة” بماء المطر الذي يبقى لفترة طويلة ويتحول إلى كتل صغيرة من الطين، حيث يدخل في عجلة مثبتة داخل حفرة في الأرض، لتسهيل تشكيلة الأواني بعد عملية “الطبخ” في الأفران الحرارية، المصنوعة من الأحجار النارية التي تتحمل درجات حرارة عالية ومرتفعة، فتظهر الأصناف والأنواع من الفخاريات مثل: الكراز والبلبل والزير والعسلية، عدا وجود جرار تصنع لحفظ اللبن وتبريده”.
قدم الصناعة
ويتابع “هناك الكروز وهو عبارة عن “مضخنة”، والمبخر، وحصالة النقود، والمزراب والخرص وكرسي النرجيلة، ورأس النرجيلة، والخشف والتنور والخابية والطاسة والشربة التي كانت تزين غرف نوف المتزوجين حديثاً”.
تشير مراجع تاريخية إلى أن مهنة صناعة الفخار في لبنان قديمة، وتعود بداياتها إلى الألف الثامن قبل الميلاد، وتفاوتت الحرفة بين منطقة وأخرى، بحسب التربة الموجودة والصالحة كمواد أولية. ومرت هذه الصناعة بمراحل عدة، أدت إلى تطويرها ، خصوصاً في منطقة البقاع الغربي وتحديداً في راشيا التي اشتهرت دون غيرها بأصالة وعراقة وتراث هذه الحرفة منذ آلاف السنين. ويقول سامر ثريا إن الفخار وجد قديماً من أجل الاستخدام المنزلي، حيث كان للجرار والأواني والأباريق والأكواب الفخارية دوراً رئيسياً في سلوكيات الحياة والاحتياجات وتطور هذه الحرفة أعطاها فيما بعد، صفة الفن المزخرف والتحف، أي أن الفخار أصبح يتعلق بكل شيء يختص بالمقتنيات المنزلية، وأيضاً يعني التحف والأشكال الخزفية.
وحول المواد المستخدمة، يشير ثريا، إلى أنها تتمثل بتراب الفخار الذي يستخرج من الأرض، ويشمس حتى يجف، وينخل لكي ينقى من الشوائب. أما طريقة التصنيع فهي تبدأ أولاً بـ”نقع” التراب بعد عملية جفافه، ويترك لأيام لفصل التراب عن الماء، ويضاف إليه “ملح القاق”، وتعجن عجينة الفخار لتصبح طرية ومتماسكة، ومن أجل إعطائها الشكل المطلوب، أي أنها معدة للاستعمال المنزلي، أو كتحفة فنية تأخذ شكل النحت والفن المبدع في تكوينها.
ويؤكد خالد الداوود أن صناعة الفخار حاربت ولا تزال من أجل بقائها كحرفة تراثية قديمة، متوارثة أباً عن جد، بالرغم من كل المحاولات الجارية لطمسها وتغييبها. والمهنة كانت على أيام الآباء والأجداد لتشكل رمز الحضارة والتاريخ، وكان الفخار يستخدم من قبل الإنسان في تسيير الكثير من مستلزمات الحياة، كأواني الطعام والشراب. أما اليوم فهو محصور في صناعة اواني الزهور وتحف الزينة وأعمال الديكور.