موزة خميس:
عندما أردنا البدء في الحديث عن ذكريات سعادة أحمد إبراهيم الخرجي الذي شغل عدة مناصب إدارية وعضويات مرموقة في مجموعة من الأماكن ومنها سكرتير بوزارة الخارجية وممثلها في الخارج، وعضو في المجلس الوطني، لم يشأ أن يدخل مباشرة إلى حديث الذكريات عن طفولته قبل أن يقدم لنا 'بساطا تمهيديا' عن حياة أهل الإمارات بشكل عام وأم القيوين بشكل خاص، فوصفها قائلا: إن أساس الحياة في الإمارات سابقا الصراحة والتآلف والإلتزام تجاه الآخرين، وإن عمودها الرئيسي تحري الحقيقة وخصوصا عند اختيار الأشخاص في العمل والزواج والصداقة، حيث يعتمدون على سيرة الإنسان وسلوكه، وكان حفظ الجيرة والجيران وعلاقات الجوار مع المناطق الأخرى ركنا هاما جدا، لأن حفظ الجيرة كحفظ العرض، حتى شهادة الإنسان- إن رغب أحد ما في الأخذ بشهادة شهود- فانهم يبحثون عن أسلوب علاقته ذلك الشخص بالجيران وعلاقته بالمسجد، وذلك يعني أن الأخلاقيات الإسلامية هي السائدة، ومن أهم ما في الجانب الأخلاقي لدى الناس قديما: التعاون·· حيث كان الناس يمتازون بالنخوة والمروءه ، فكانوا إن أحترق منزل لأحدهم، يتعاونون مع بعضهم فيجمعون مبلغا ليشتروا عدة البناء ويبنون المنزل بأنفسهم، وقد لا يتركون عملية البناء إلا عندما ينتهي المنزل في ذات اليوم حتى يعود الأمن والإستقرار لتلك الأسرة، فلا تشعر بالحرج من الغير وإن كانوا أهلا·
في تلك الفترة التي تميزت بتلك العادات الأصيلة ولد أحمد إبراهيم الخرجي- مدير منطقة عجمان التعليمية، وهو يقول إن أصل قبيلة الخرجي يعود إلى منطقة الخرج، ويكمل واصفا صور الحياة قديما فيقول: كان الناس يقضون الديون عن بعضهم البعض، ومن خصال حسن الجوار وجمال العلاقة بين الجيران وبعضهم البعض، أن الرجل يسافر فيترك زوجته وأبناءه في ذمة الجيران في زمن كان البعض يموت فيه من الجوع، ولكن لا يمد يده للآخرين كي يطلب لقمة، ولكن كان الناس إذا غاب أحدهم عن الصلاة في المسجد عدة مرات يبحثون عنه، فالرجل لم يكن ليغيب عن صلاة الجماعة إلا لسبب خارج عن إرادته، فيذهبون ليجدوا أن أحدهم قد مات ولم يشأ أن يخبر جيرانه بفاقته·
تفتح المدارك
عندما انحسرت موجة رحلات الغوص بحثا عن اللؤلؤ وتوجه الرجال إلى مهن أخرى كالسفر للتجارة أو صيد السمك، تفتحت مدارك الطفل أحمد الخرجي فوجد أنه يعيش في أسرة محافظة، وعندما بلغ العاشرة من عمره توفيت والدته لينتقل إلى حضن خالته، وكان والده إبراهيم يسافر للكويت والبحرين لأنه أساسا كان نوخذة ورث ذلك عن الجد محمد إبراهيم الذي كان يسافر على أكبر السفن التجارية من نوع البغلة لأنها تحمل بالأطنان وكان أسمها(مصفح) لأنها مغلفة تماما بالنحاس ولذلك لا يدخلها الماء أبدا، وكانت تلك البغلة ملك الشيخ أحمد بن عبدالله المعلا وهو الجد الأكبر لحاكم أم القيوين حاليا· كانت تلك السفينة تسافر محملة بالتمور وكان بها مكان لجمع الدبس أو عسل التمر، ولكن في إحدى الرحلات اصطدمت السفينة بمكان يسمى جسار فانكسرت، وغرقت ومات من مات هناك ومنهم جد أحمد الخرجي الذي دفن مع بعض الأشخاص في سيلان، وعندما علم الحاكم أصيب بالحسرة والحزن على الرجال وعلى مصفح ولم يبق طويلا حيث توفي على أثر ذلك· ويتذكر أحمد أن أبوظبي كان بها مكان يسمى خور البغال ويبدو أنه سمي كذلك لرسو هذا النوع من السفن هناك، وقد كان حاكم أم القيوين يمدهم بذلك النوع من السفن في حالة الحروب قديما، ولم ينس سعادة أحمد الخرجي أن يذكر أن الشيخ أحمد بن عبدالله المعلا هو من بنى الحصن الذي كان قصرا للأسرة الحاكمة والذي أصبح متحفا فيما بعد، كما بنى الجامع الكبير في أم القيوين وأيضا بنى سورا يحيط بالإمارة من البحر إلى البحر وله عدة أبواب، فإن أتى الليل أغلقت الأبواب فلا يخرج أحد ولا يدخل حفاظا على الأمن، ومن يأتي يبقى في الخارج حتى ينبلج الفجر عن الصبح، وكان منزل عائلة أحمد الخرجي قريبا من مسكن الشيوخ، وقد حدث تصاهر بين قبيلة المعلا والخرجي·
المقيظ
كان الناس في أم القيوين يغادرونها في كل صيف، فيتوجهون إلى (المقيظ) في الباطنة وفلج المعلا والمنطقة الشرقية ورأس الخيمة حيث يقضون الصيف في تلك المناطق بحثا عن نسمات الهواء الباردة والمياه الكثيرة الجارية من الأفلاج والأحواض، ولتوفر مختلف أنواع الثمار الصيفية كالرطب أو البلح والليمون و(حامض حلو) وهو نوع من الموالح وكذلك المانجو والسفرجل واللوز، ومن أهم ما كان يحدث للرجال في خلال تلك الشهور الثلاثة هو السير 9 كيلومتر ذهابا ومثلها إيابا يوميا، حيث كانوا يخرجون من منطقة شمل إلى المطاف لملاقاة الصيادين فيعبرون بعدها سباحة من الخور الشرقي حتى يعودوا بألذ الأسماك التي لا يزال الكثير منها حيا وطازجا·
في الكويت
درس أحمد الخرجي مع مجموعة صغيرة من الطلاب وفي عام 1964م أنهى المرحلة المتوسطة حيث حصل على شهادة كانت تعادل الإعدادية اليوم، وكان لدى حكومة الكويت التي كانت تشرف على التعليم والعلاج في الإمارات الرغبة في إعداد معلمين مواطنين، فتم إرسال تلك المجموعة إلى الكويت وكان عددهم أربعة وهم راشد إبراهيم (مدير إدارة شؤون الموظفين المركزية)، وعتيق عبدالرحمن (وكيل مساعد بوزارة الاقتصاد) وعبدالرحمن سعيد غانم (وكيل وزارة الاقتصاد) وأحمد الخرجي الذي عمل بعد تخرجه من الكويت سكرتيرا في وزارة الخارجية لمدة تسعة أشهر·
عندما غادر أحمد إلى الكويت وصف نفسه بأنه كان 'شبه يتيم'، وكان يشعر بانقطاع الخيط الروحي الذي يربطه بخالته وأهله وموطنه، وكان من ضمن المجموعة التي التقى بها في الكويت من أبناء الإمارات الأخرى حميد الزري وعبدالرحمن الخاجة وأحمد لطفي وعبيد الخيال وعبيد الهاجري، وكانت الدراسة في الكويت مقسمة لمجموعة من التخصصات فكان أختياره للشعبة العامة في معهد المعلمين، تخرج أحمد عام 1968م ليتم تعيينه كمعلم في منطقة الرمس، ولكنه لم يبدأ العمل لأن أمرا آخر شغله وهو الإعلان عن بعثات دراسية للخارج·
الى بغداد
كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة الله عليه قد تسلم مقاليد الحكم في أبوظبي، وكانت الإمارات لا تزال ذات إمكانيات ضعيفة، وقد أنشئت مجموعة من الدوائر والمكاتب ومنها دائرة المعارف التابعة لحكومة أبوظبي آنذاك، وقد تولاها رحمة الله عليه الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان، وقد تم الإعلان عن بعثات دراسية على نفقة دائرة المعارف، فلم يكن الشيخ زايد طيب الله ثراه لتفوت عليه فكرة إعداد رجال من حملة الشهادات ليؤسس بهم دولتنا، وقد تقدم كل من يحمل الثانوية العامة وكانت المجموعة تضم 26 طالبا، وكان مدير البعثات يسمى الدكتور الهاشمي الذي يرى أحمد الخرجي أنه على مايبدو كان يرغب في توطيد العلاقات بين أبوظبي وبغداد، فتم أختيار بغداد كإحدى المحطات الدراسية، وقد جاهد للحصول على قبول لمجموعة طلبة بغداد ومنهم عبدالرحمن الجروان ويوسف عبداللطيف السركال ويعقوب السركال وعبدالله حميد عمران وعبدالعزيز المدفع وكانت تلك أول دفعة على نفقة دائرة المعارف في أبوظبي، أما مانع العتيبة ومحمد الحبروش وخلفان الرومي وسعيد الغيث فقد سافروا على نفقة الكويت إلى قطر· قبل السفر إلى بغداد كان لابد من المرور بأبوظبي ولم يكن في أبوظبي أكثر من عمارة واحدة كبيرة بالنسبة لذلك الزمن، فتمت استضافتهم فيها استعدادا للسفر، وقد زار الطلبة كل من حمودة بن علي وأحمد خليفة السويدي للوقوف على احتياجاتهم، وكان عشاء الطلبة يوميا على مأدبة الشيخ زايد رحمة الله عليه، ويتذكر أحمد الخرجي أن رجلا من التشريفات جاء للشيخ زايد وقال له إن وفدا من الخارج قد وصل وأن الطلبة يشغلون المكان ويجب نقلهم، (فإذا بالشيخ زايد يرد عليه: نخرج عيالنا من مكانهم؟، الضيوف معنا اليوم، وغدا لن يكونوا، ولكن عيالنا باقون، فتش للضيوف عن مكان آخر يناسبهم)، ثم توجه للطلبة بحديث قال فيه غفر الله له: (نريد أن تكونوا نواة لهذه الدولة)· عندما وصل الطلبة إلى بغداد كانت بداية أيام الإنقلاب ووصول حزب البعث لسدة الحكم ، ونتيجة الأوضاع التي سادت العراق أصبح الطلبة في عزلة، ولم تكن هناك أي وسيلة للاتصال بالأهل أو الحكومة في أبوظبي، عاش الطلبة على الكفاف والاعتماد على النفس، وانقطعت المعونة ووصل الحال بالمجموعة إلى أن تكون وجباتهم عبارة عن رغيفين يغمسان في الماء كي يصبح ثريدا من خبز وماء في رمضان، و قام الطلبة بجمع التبرعات كأجرة سفر وتم اختيار عبدالرحمن الجروان ليكون رسول الطلبة حيث غادر إلى أبوظبي ليستطلع الأسباب ويشرح حال الطلبة، فوجد أن الانقطاع كان لأسباب تنظيمية، ورغم كل ذلك كانت السنوات الأربع للطلبة في بغداد من أجمل سنوات العمر ولا يزال أحمد يتذكر تلك المرحلة· بعد عودة أحمد عمل في الوظيفة التي كانت متاحة له في ذلك الوقت وكانت في وزارة الخارجية كسكرتير، ثم انتقل للعمل لوزارة رعاية الشباب وعندما حدث الدمج عمل مديرا للدائرة الثقافية وإعداد المعلمين، ولكنه ترك كل ذلك ليتفرغ للعمل كعضو في المجلس الوطني بقرار حكومي حيث تولى لجنة التربية والشباب والإعلام، وفي نهاية المطاف استقر مديرا لمنطقة أم القيوين التعليمية·