«شيراز» هي ذكرى مغبشة في عيني طفل، لكنها وصلتني فيما بعد عبر حكايات من عرفوها، وعبر الكتب والأدب، فهي تضم مرقدي الشاعرين: «حافظ الشيرازي» و«سعدي الشيرازي»، اسمها يرجعه البعض إلى أنه مكون من شير وراز، أي العنب الحلو، والبعض الآخر يقولون إنه اللبن الرائب، لجمالها وخضرتها وجوها المنعش، كانت تسمى بدار العلم، فيها وجدوا جراراً طينية ترجع إلى 7000 سنة، لتبقى من المدن التي نمني النفس برؤيتها يوماً ما، وهي زاهية بحالها.
في السنوات البعيدة داخل فندق «الأوبراي» في «بمبي»، مرتع الفنانين والنصابين والحرامية «جار سو بيس»، رأيت بطريق الصدفة مرة صاحب الفندق يسحب إزاراً أبيض خفيفاً، ونعالاً جلدياً رقيقاً، يخيل إليك أنه راهب هندي أتى لتوه من المعبد، بل كان يكاد يشبه «غاندي» في نحافته، وصومه الدهري، وطريقة لبسه، وسماره «السنسكريتي» الواضح، ذلك الذي تطبعه الجغرافيا كوسم يصعب أن تبرأ منه، فتعجبت كزائر حديث النعمة النفطية منه، ومن هيئته، ولولا الاحترام الزائد، والمبالغ فيه كعادة الهنود في الترحيب بـ «صاحب الجناب» - وهذه كلمة مستعملة في الأردو- لم يكن أحد ليتعرف إليه، بل جلهم كان ينظر مستغرباً أن هذا الهيكل الإنساني دخل هذا الفندق البهي خطأ، لكنه كان طبيعياً في مشيته، لا قرقعة تمشي قبله، ولا جلبة تتبعه أو تمشي وراءه، كشأن رجال الأعمال الهنود الجدد الذين كونوا ثروات في هونغ كونغ وسنغافورة، ودول الخليج، كان ذاك الإقطاعي الكبير يشبه ناسكاً لا يمل من الصلاة، ولا من الصبر، ويقوى على الجوع لدهر.
لقد كان يختصر ذلك الرجل التاجر الهندي، فالمظاهر لا يمكن أن تعطي قيمة للرجل، ولا الملابس يمكن أن تقدم الرجال، والذي يرى الهند، ولا يعرفها، لا يمكن أن يقيمها أو يعطيها وزنها وثقلها، وتقدمها في الديمقراطية، وبناء المؤسسات الكبيرة التي تسيّرها، وأنها أصبحت من الدول المتقدمة على كافة الأصعدة الحضارية، والتي يحسب لها ألف حساب حاضراً ومستقبلاً، وأنها، رغم نهضتها، لا زالت العادات والتقاليد والموروثات تلقي بثقلها على كاهل الهندي، لكن لا تمنعه من الإبداع والإنجاز والابتكار.
تذكرت فندقي «تاج محل» و«الأوبراي» في وقتهما الجميل، وكشيئين جميلين في حياة مدينة «بمبي»، حين طرأت الأحداث الإرهابية والإجرامية في ردهاتهما ذات مرة في سنوات ليست بالبعيدة، وكمية الدم الإنساني المقدس التي سالت في جنباتهما، وكأن الشر لا يفرق بين الأشياء، المهم أن الجمال هو عدوه الدائم، بقيت حينها متسائلاً: كم ضم هذان الفندقان من أفراح ملوكية، وليال إسطورية، وغناء من أجل الحياة، وأناشيد الأمل والسعادة، وحلم بولادة قادمة أو بشارة في الطريق!
تذكرت الجلسات المسائية لشعرائنا المحليين، والغاوين، والذين يتبعونهم، والشغوفين حد النشوة بالهند، وبأشيائها الكثيرة، وكيف كانت تصلهم دلال مقندة ومزلولة للتو من يد الزين «اللي خاطّ الحناء بوصاه» أو كيف يفزّون «ليما شوافوا الغر بو شيلة منقّده» أو حين يتذكرون «الشرتا وذعذاع النسيم، وذلك البرقع الذي يتصالق على خد مورد، وأم وجه مسفر، وهي في غاية صباها، تبسمت وبانت عن ثنايا كأنها قماش منقاي».
كانت تلك مشاهد مألوفة في بهو الفندقين، سجلها الشعراء في قصائدهم وأغانيهم، كانت حياة خضراء رطبة، وزمناً «ليته يعودي»، اليوم حين أدخل بهو الفندقين تسبقني تلك المشاهد المضمخة برائحة العود ودهنه، ودهن الورد، وتلك المخمرية التي تحتل الزوايا حينما كان «الزين» يمر يسحب ذائل ثوبه، ويوقظ حمامة القلب المتوثبة على الدوام.


