منذ زمن مضى، وتحديداً مع بداية الثمانينيات، أتذكر حلول ذلك الضيف الجميل؛ «معرض الكتاب» في قاعة صغيرة بمدرسة أم عمار القريبة من منزلي. فجاءت الفرصة لأقتنص منه لحظةً تؤسس لعلاقتي بمعارض الكتب، وأتسلل إلى عالم ثقافي يزدهر شيئاً فشيئاً بين ثنايا الذكريات.
في ذلك الوقت، كان معرض الكتب فكرةً قلّما تسمع عنها، بينما كانت الأمسيات تُتداول بين فينة وأخرى في النادي السياحي، والمجمع الثقافي، وفي قصر الخبيرة؛ وكان لها في واقع الحياة أثرٌ كبير، عزز من مكانة وفكرة بدء معرض كتاب بحجم دولي. أما المكتبات، ومنها مكتبة وزارة التربية والتعليم في شارع الشيخ زايد الأول -والتي لازلت أحتفظ ببطاقة عضوية الاستعارة الخاصة بها رقم 107- ومكتبة المجمع الثقافي في الشارع نفسه، فقد كان لهما الصدى الأكبر في المنطقة، لما كانت تضمه الأخيرة من محتوى ضخم من الكتب، حيث تأسست بشكل فريد فاق الوصف.
ومن الذكريات الجميلة، حين كنا نلتقي ببعض الأصدقاء الذين يجمعنا بهم شغف القراءة، فنشدُّ الرحال إلى معرض الشارقة للكتاب في بداياته، كلٌّ منا يمضي مدفوعاً برؤاه وتطلعاته وقراءاته المدرسية. كانت تلك البدايات تُشكلنا ثقافياً وأدبياً، وتتعدد مدارسها وتعاريفها في عوالمنا؛ ما بين أدب المهجر، والشعر الحر الحديث، والشعر العربي المعاصر والقديم، والروايات. آنذاك، كنا نعبر بين الفصول المدرسية، لكننا كنا نشعر بأنها تأخذنا إلى أبعاد مختلفة ثقافياً؛ فقد تأسسنا على كتبٍ راقية، علمتنا معنى أن تكتب الحرف قبل أن تقرأ الكتاب، وأن يظل الحرف حياً في الذاكرة بمفرداته الزمنية، باقياً بين أعيننا رغم انطفاء مراحل دراسية بعيدة.. وتظل، منذ البدء، ذكريات الكتب تتوهج.
منذ البداية، ومعارض الكتب تنتمي إلى الحضور المجتمعي بكافة أطيافه، وتتجدد سنةً بعد أخرى بما نشهده من حضور كُتّابٍ وأعلام أدبيةٍ يُحتفى بهم ويُكرَّمون؛ إنها تظاهرة ثقافية تتقدم بتقدم الزمن. وهناك شخصيات شاهدة على كل التفاصيل ومداها، وذكرياتها وخصوصياتها التي أفرزت هذا التناسق الزمني الجميل، ما بين إبداعات جاذبة وخالدة تسكن المشهد منذ البدء، وكلما احتشد المعنى بالفكر، تجدها مثمرةً بالوعي.
لقد أصبح لمعارض الكتب أيقونات مختلفة من الفنون؛ وإذا تبصرتها حق المعرفة، تجد الشغف يكمن ربما وراء لوحةٍ زُفَّت من بلدٍ بعيد، أو تستدرجك صورةٌ لها معنى، أو حروفٌ عابرة تحرضك على الاستمتاع بكل المشاهد الجاذبة للمشاعر.
إن بدايات معارض الكتب كانت بمثابة النواة لصناعة النشر وازدهارها، كما أن التجارب التي سبقتها أضافت إليها أبعاداً من النجاح، وجعلتها تتمسك بخصوصية النموذج، وبشعبيتها الممتزجة بالتراث الثقافي. وهكذا، تتسع الأبعاد الزمنية لفكرة الكتاب كلما تجددت العلوم والمعارف، وتطورت العلاقات الاجتماعية، والإنسانية، والدولية.