منتخب الإمارات بغير حاجة إلى من يذكّره بتاريخه الخليجي، فهو يعرف جيداً أنه كان ذات يوم رقماً صعباً في هذا المنتدى الكروي الجميل، وأن «الأبيض» لم يكن اسماً عابراً في دفتر كأس الخليج. لكنه، وهو يفتتح اليوم «خليجي 27» بمواجهة المنتخب اليمني، تبدو هناك حاجة أكثر إلى من يوقظ الذاكرة، ويعيد للأبيض شيئاً من تلك الروح التي صنعت له مجده.
فبعد سنوات من الغياب، حيث تعاقبت الإخفاقات، تأتي جدة وكأنها موعد جديد مع الذات. موعد لا يكفي فيه أن تفوز الإمارات بمباراة أو تتجاوز دوراً، بل المطلوب أن تستعيد الشخصية، وأن تسترد الإحساس بأن القميص الأبيض قادر من جديد على أن يكون ثقيلاً على الخصوم.
وهنا تحديداً تتقدم شخصية زلاتكو داليتش.
الكرواتي العائد إلى الإمارات، ليس ذلك المدرب الذي غادر العين قبل تسع سنوات وتاه وسط الغيوم فلا خبر ولا أثر. لقد عاد وهو يحمل في حقيبته تجربة مونديالية كاملة، تحمل وصافة العالم مع كرواتيا في روسيا 2018، ثم برونزية قطر 2022. عاد وقد تغيرت صورته، واتسعت خبرته، وارتفع سقف انتظارات من اختاروه ليكون رساماً للوحة الحلم.
لكن المفارقة أن داليتش، مهما كانت قيمة سيرته، لن يلعب المباريات بدلاً من لاعبيه، ولن يصنع وحده الشخصية التي افتقدها المنتخب الإماراتي في محطات كثيرة. مهمته الحقيقية ستكون في إعادة ترتيب الداخل قبل مواجهة الخارج، وأن يجعل من «الأبيض» فريقاً يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، وكيف يتصرف عندما تضيق المباراة وتعلو الضغوط. وحتماً سيكون «خليجي 27» مناسبة لضبط عقارب الساعة على سفر جديد، لبلوغ المحطة الآسيوية، ولماذا لا يكون كأس العالم 2030 هو المحطة التي بها يحلم كل الإماراتيين؟ 
الإمارات تملك تاريخاً لا يستهان به في كأس الخليج، لقبان، أربع وصافات، وخمس مرات في المركز الثالث. أرقام تقول إن المنتخب ليس غريباً عن منصة التتويج، لكنها تقول أيضاً إن الزمن لا يعترف إلا بمن يجدد نفسه.
والجميل في الحكاية، أن «خليجي 27» يأتي في توقيت يسمح للإمارات بأن تجعل من البطولة أكثر من مجرد موعد خليجي. إنها أول امتحان رسمي لداليتش، وأول فرصة حقيقية لقياس ما إذا كانت عودة الرجل الذي صنع أمجاده في العين، ثم مجده العالمي مع كرواتيا، قادرة على صناعة ولادة جديدة لـ«الأبيض»، يقطع كلياً من أزمنة الشقاء الرقمي.
في جدة، لن تكون الإمارات مطالبة باستعادة الماضي كما هو، فهذا مستحيل في كرة القدم. المطلوب أن تصنع ماضيها الجديد. ذلك أن المنتخبات الكبيرة لا تعيش على ذكريات الألقاب، بل على قدرتها الدائمة على تحويل الذاكرة إلى طاقة، والهزيمة إلى درس، والانتظار إلى موعد. وربما يكون موعد الإمارات قد حان بعودة داليتش.