ذات يوم احتجتُ إلى إجراء بعض الترميمات في بيتي في المرقاب، فذهبتُ إلى أحد مكاتب صيانة المباني المنتشرة بكثرة في كل مكان. دخلتُ المكتب وكان الرجل ممسكاً بسماعة الهاتف يتحدث بلغته ويضحك.
بقيتُ واقفةً أنتظر انتهاء المكالمة، وحين شعرتُ أنه لم يكترث لوجودي خطوتُ نحو الباب، لحظتها أغلق السماعة ونهض يلحق بي: «سبر ماما أنت شو يريد». قلت: «ليكن أنت في كلام هاتف». هز رأسه معتذراً: «هذا رفيق مال أنا بلاد. زين ماما أنت شو يريد؟». قلتُ وأنا أحاول أن أتذكر مفردات من العامية قد يعرفها: «بيت مال أنا في شغل. واحد همام. كاشي تركيب». ولم يدعني أكمل: «زين ماما أنا يئرف. وين بيت مال أنت؟». ذكرتُ له موقع البيت وأعطيته رقم الهاتف. في صبيحة اليوم الثاني، جاء إلى البيت وفدٌ مكونٌ من أربع جنسيات آسيوية! تقدم أحدهم وبدا أنه رئيسهم، وأوضح: «ماما يئني شو أنت يريد شغل في بيت مال أنت؟». فهمتُ ورحتُ أشرح وأستعين بذاكرة السمع أثناء التعامل معهم في مجمل علاقات شراء الخدمات. ثم راح الرئيس يشرح لهم ما ينبغي عمله، ولأنهم لا يتكلمون لغةً واحدة، راح كل واحد منهم يشرح للآخر المهمات الموكلة إليه، وانتشروا في البيت يقيسون ويتناقشون، وأنا أنتظر نتائج المباحثات.
التفت إلىّ أحدهم وقال: «شوف ماما..أنت يجيب واهد سياره أسود رمبل. وأهد سياره أبيد رمبل. واهد ميّه تابوك. وأشره كيس أسمنت أسود. اتنين كيس أسمنت أبيد. سلاسه كيس سيراميك جلو. أُسقِطَ في يدي إذ لم أعرف من الكلام كله سوى الأسمنت والطابوق وكلمة أسود. وإذ شعر بحيرتي، خرج من البيت وعاد حاملاً بيده حفنةً من تراب أسود، من مخلفات الترميم، قال موضحاً: «هازا نمونه رمبل أسود». ثم أشار بيده إلى الأرض وقال: «هازا نمونه رمبل ابيد» وأردف: «أنت كلّو يجيب خَبّر أنا، جلدي يجي. لكن كم في فلوس؟» قلتُ وقد بدأت أتعلم لغته: «أنا ما يئرف. أنت كول كم فلوس يريد».
وبعد يومين جاء برفقة عماله وبدأوا في الحفر والتكسير والترميم. وكان الاتفاق أن ينتهي العمل في أسبوعين، فصار شهراً ونصف الشهر. وكانت عبارة «ما في مشكل» هي المخرج من كل مأزق يضعونك فيه. وحين ازداد عدد العمال صار في البيت خمسة عشر عاملاً، بعشر لغاتٍ، ينتمون إلى خمس جنسيات. وكان مكسبي من التجربة أنني استمتعتُ باكتشاف القدرة عند الإنسان على تدبير أمور عيشه بسبع مفرداتٍ محليةٍ من بلده، ومن بينها مصطلحات أدوات البناء المتفق عليها عالمياً.