«مرآتي يا مرآتي، مَن أجملُ نساء الأرض؟» هل تذكرون هذه الجملة الشهيرة في قصة «بياض الثلج»؟ 
كانت الملكة تسأل مرآتها السحرية كل يوم هذا السؤال، وكانت المرآة تجيب بلا كذب أو مجاملة، وتخبرها أنها الأجمل؛ لأنها فعلاً كانت كذلك. ولكن عندما كبرت ابنة زوجها وظهر جمالها، كان للمرآة جوابٌ آخر: لقد أصبحت الصغيرة «بياض الثلج» هي الأجمل. تعرفون باقي القصة، وكيف قررت الملكة التخلص من الصغيرة لتبقى الأجمل. 
حسناً.. ذلك المقطع الخاص بالمرآة هو الجزء الأثير عندي من كل القصة! فلطالما فكرت بأن المرآة، ذلك الاختراع البشري، هي الوحيدة التي تخبرنا بأمانة عن أنفسنا أكثر مما نعرف، بل وحتى لو لم نكن نريد أن نعرف!
ولذلك، عندما أصبحت المرآة في متناول الجميع بعد أن كانت حكراً على طبقة بعينها – منذ أن اخترعها الكيميائي الألماني يوستوس فون ليبيغ عام 1835 – حدثت تحولات اجتماعية ونفسية وسيكولوجية كبيرة في الجنس البشري؛ فأصبحنا نرى وجوهنا بوضوح بعد أن كنا نراها متموجة على صفحة ماء، أو باهتة على قطعة معدن مصقولة. لقد أعادت هذه القدرة تقييم الإنسان لنفسه، بعد أن كان يعتمد على وهمه، أو تقييمه لشكله بناءً على رأي الآخرين، سواء في نظراتهم له أو وصفهم. 
ليس هذا وحسب، فقد كشفت لنا المرآة ذواتنا الحقيقية؛ فأصبحت واجهة يومية تخبرنا عن دواخلنا النفسية بما نراه من أثر على وجوهنا في انعكاسها، وتفشي لنا بما فعله بنا الزمن، بل وبما ينوي فعله، وتترك لنا حق الرفض أو التصالح.. ولكن، هل تصالحنا؟
أفكر في كل ذلك وأنا أتابع مشاهير وفنانين، وإعلاميين ومثقفين، بل وأصدقاء، استبدلوا صورهم بأخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ صوراً بالكاد تشبه أصحابها بما يكفي لأن أتعرف إليهم، وتختلف عنهم بما يكفي لأن أتساءل: مَن أنتم؟!
ما الذي حدث للإنسان منذ تلك اللحظة التي عرف فيها وجهه، وحتى اللحظة التي أصبح يطلب فيها صورة له من جهاز؟!
للأسف.. لقد عاد الإنسان إلى وهمه الذي كان يعيشه قبل أن يرى وجهه في المرآة، مستغلاً الذكاء الاصطناعي لتوليد صورٍ بديلة. هذا الرفض للحقيقة أصبح يتأكد كل يوم؛ إننا نصنع هذه الصور لأننا نرفض حقيقة واقعنا، ونريد أن نرى وهمنا وقد تحقق في صورة خارج أذهاننا.
في قصة «بياض الثلج»، حاولت الملكة التخلص من الصغيرة، وفي قصتنا مع المرآة.. ممَّ نريد أن نتخلص يا ترى؟!