فكرة الوداع دائماً مرهقة جداً، وفيضٌ من التعب المؤلم بحجم الرحيل المؤثر بين ثناء الرؤى ووداع إنسان يحمل حقبة من الزمن وحكايات مؤثرة. 
الوداع مؤلمٌ حقاً، وحين يتعلق الأمر برحيل صديقٍ، وكاتبٍ، وأديبٍ، ومفكرٍ بحجم المبدعِ مرهفِ الحس كالأستاذ علي كنعان، بالتأكيد يصبح الأمر أكثر حساسيةً وتعقيداً؛ احتساباً لكيفية الوداع، ولغته، وصفاته، وتعابيره. بعد محطاتٍ زمنيةٍ تحضر الآن، يتساءل المرء: أي مكانٍ ستتركه في ذاكرةٍ مشبعةٍ بالأمد البعيد، والمواعيد الزمنية الخاطفة، وجلسات المقاهي في «الخالدية» و«المارينا»؟
لقاءاتٌ، وتبادلٌ للآراء والإصدارات الأدبية المهمة؛ أليس كل هذا كافياً لنحزن على رحيلك من مدينةٍ تعشقها كما لم تعشق مدينةً أخرى، وتعشقك هي في بهجتك ودار منزلك؟ وأنت الذي لا تكتفي بقراءة عالمك الأدبي.. نودعك اليوم بالعبارة الألمانية: (Auf Wiedersehen)؛ على أمل أن نلتقي قريباً. 
وثق تماماً أني حاولت الحضور في وداعك، لكن لم تسعفني الخطوات أن أتقدم خطوة واحدة نحو الوداع الأخير، فتركتُ اعتذاراً شفيفاً عبر الهاتف. وربما يأتي يومٌ أستبق فيه خطواتي لأستقبلك مجدداً، كعادة لقاءاتنا الجميلة التي كانت تزدان بإهداءاتك المعبرة عن رقيك ووقارك. لقد كنتَ الترحالَ ذاته في كل كتاباتك وأينما حللت، ومَن مثلك لا ينضب حبر قلمه من معين كلماته الفكرية وتحليله الثقافي والأدبي المتزن، وفي تصاويرك وحسن قبولك في الحياة. 
وإذا كان الأمر يتعلق بقامتك الأدبية المرموقة، فإن السيدة حرمك، الأستاذة فاطمة عطفة، ستترك ابتسامتها تسبق ذكرى عطاءٍ إعلامي وثقافي حافل؛ عطاءٍ يتجذر في عمق الحوارات الثقافية التي تركت أثراً بالغ الأهمية في ذاكرة الساحة الإبداعية والصحافة، ومعارض الكتب والمنتديات. حتماً لقد شغلتُما معاً الكثير من الأمكنة، وتركتُما أثراً بليغاً وصدقاً في المعاملة، أثرٌ جديرٌ بأن يُذكر ويُخلّد بعد الرحيل.
والجدير بالذكر، تلك الصور والإضاءات الرائعة والمشبعة بعملٍ إعلاميٍّ رصين، متدفقٍ بالنجاح وإثراء الساحة الثقافية بكل فضاءات المعرفة. لقد كان لك قلمٌ ممتدٌّ بيقظةٍ وإشراق، ذو قيمةٍ رفيعة، وبمثابةِ جسرٍ جميلٍ من جسور التغطية الصحافية؛ جسرٌ يتسع ليكتب كمّاً هائلاً من المرادفات الثقافية للافتتاحيات، والمهرجانات، ومعارض الكتب، تاركاً بصمات خالدة تُذكر دوماً بين رواد الثقافة.
إن حجم الرحيل دائماً ثقيلٌ ومؤثرٌ، لا سيما إذا ما لامس الحياة الثقافية ورموزها الأدبية كرحيل المبدع والمفكر علي كنعان؛ وهو في أوج عطائه المتجدد. بالـتأكيد سيترك غيابك فراغاً كبيراً، وأنت الذي كنت تعبّر دائماً عن فضاء الحكمة وبُعد الكلمة الحرة في عالمنا العربي الثقافي المعاصر.