ثمّة مفارقة إنجليزية تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، أن تكون لك أقوى وأغنى وأشد البطولات الكروية جذباً للنجوم والمدربين، ثم تجد منتخبك الوطني واقفاً على قارعة الطريق، يسأل نفسه: من نحن؟ وإلى أي كرة نريد أن ننتمي؟
ذلك هو السؤال الكبير الذي يطارد توماس توخيل، وهو يقود منتخب الأسود الثلاثة في زمن البريميرليج الساحر والمُربك في آن واحد.
ليس توخيل هو أصل الداء، ولا يمكن تحميله وحده وزرَ أزمةٍ عمرها سنوات. لكن الألماني، وجد نفسه في قلب مفارقة إنجليزية صعبة: كيف تصنع منتخباً بهوية واضحة، فيما اللاعب الإنجليزي نفسه يتنفس يومياً كرة قدم متعددة اللغات واللهجات والمدارس؟ كيف تطلب منه أن يلعب إنجليزياً، وهو يتدرب في ناديه على الإسبانية تارة، والإيطالية تارة ثانية، والبرتغالية أو الفرنسية تارة ثالثة؟
البريميرليج صار مختبراً عالمياً للأفكار. جوارديولا جاء بفلسفة، وأرتيتا طوّر أخرى، وإيمري له قاموسه، ومدرّبون آخرون حملوا معهم تجارب من مدارس كروية مختلفة. واللاعب الإنجليزي، المحظوظ بانتمائه إلى هذه البيئة شديدة التنافس، صار يتلقّى كل أسبوع جرعات تكتيكية متباينة.
وهنا تبدأ الحكاية الغريبة.. ما جعل الدوري الإنجليزي عظيماً، قد يكون هو نفسه ما يصعّب مهمة المنتخب الإنجليزي. لقد ربح البريميرلج معركة العولمة، لكنه لم يحسم بعد معركة الهوية.
وتوخيل، القادم من مدرسة ألمانية عريقة، يعرف أن المنتخب ليس نادياً يمنحه الوقت لبناء مشروع يمتد موسماً بعد موسم، المنتخب يعيش على الذاكرة، وعلى اللحظة، وعلى قدرة المدرب على تحويل اختلافات اللاعبين إلى نغمة واحدة. لذلك فإن حديثه عن المرونة التكتيكية واللعب المبادر والضغط والشراسة لا يكفي وحده، الهوية لا تُكتب في المؤتمرات الصحفية، بل تُرى في الملعب عندما تضيق المساحات وتتوتر الأعصاب.
ولعل أكثر ما يلفت في القصة الإنجليزية أن البلاد تبحث عن إجابة في المكان الخطأ أحياناً، فهي تنظر إلى إسبانيا، فتريد الاستحواذ. وتنظر إلى ألمانيا، فتستحضر الانضباط. وتنظر إلى إيطاليا، فتفتّش عن التنظيم. بينما ربما تكون الإجابة الأقرب هي أن تعود إنجلترا إلى نفسها.
لماذا تريد أن تصبح إسبانيا جديدة، وهي تملك لاعبين إنجليزاً بخصائص إنجليزية؟
الهوية ليست تقليداً لأحد، الهوية هي أن تعرف ماذا تملك، ثم تبني عليه.
ربما تحتاج إنجلترا إلى مصالحة تاريخية بين المنتخب والبريميرليج، لا إلى خصومة جديدة بين توخيل ومدرّبي الأندية، فالمنتخب لا يستطيع أن يعيش معزولاً عن البطولة التي تمده باللاعبين، والأندية لا يمكنها أن تتعامل مع المنتخب باعتباره ضيفاً ثقيلاً على رزنامتها.
أما توخيل، فعليه أن يجيب عن السؤال الأصعب.. هل سيقود إنجلترا إلى كرة تشبه الآخرين، أم سيكتشف معها كرة تشبهها هي؟
المشكلة ليست أن إنجلترا لا تملك أفكاراً، المشكلة، ببساطة، أنها تملك أفكاراً كثيرة جداً.. حتى كادت تضيع منها الفكرة.