ذات يومٍ، طلبتُ من صديقتي أن تعثر لي على امرأة تعمل لديّ سكرتيرةً، لأن عشرات من كتاباتي تحتاج إلى تجميعٍ وترتيب. فرحّبتْ بالأمر وقالت لي إنها تعرف امرأةً مثقفةً تجيد القراءة والكتابة والترجمة. فقلتُ لها: «متى ستزورينني معها؟»، فقالت: «سأسألها». وبعد يومين، جاءت صديقتي ومعها المرأة إلى بيتي، وجلسنا في حديقة البيت، وبدأتُ أوضح للمرأة رغبتي وحاجتي إلى سكرتيرة، فشعرتْ بالسعادة والفرح وقالت: «يسعدني جداً أن أعمل سكرتيرةً لشاعرةٍ مثلكِ».
ثم بدأ الحديث بينها وبين صديقتي، لكنّ ما أدهشني هو أن المرأة لم تكفّ عن الثرثرة على مدار ساعتين، حتى شعرتُ بالضجر والانزعاج، فأوحيتُ إلى صديقتي بالمغادرة.وبعد خروجهما، بدأتُ أتساءل عن معاني «الثرثرة» وقيمتها وأثرها في المستمع، ففتحتُ معجم اللغة وقرأتُ تعريفه للثرثرة ومعانيها، حيث يعرّف الثرثرة بأنها: تَبْدِيدُ الشيء، وكثرة الكلام في تردّد وتخليط، فالفاعل «ثرثار» للمذكر و«ثرثارة» للمؤنث. والثرثرة في المنظور الاجتماعي هي كثرة الكلام بلا فائدة. إلا أن المعجم البليغ قد أنصف، إذ ذكّر وأنّث، بينما أنث المجتمع الثرثرة فألصقها بالمرأة فقط، متحاشياً وصف كلام الرجل بها، وصوّر الرجل وكأنه لا يقول إلا الكلام المختصر المفيد البليغ كالمعجم!!
ولكن، لماذا وصف المجتمع كلام النساء بالثرثرة؟ لأن المرأة عالمها مشغول بشؤون البيت والأطفال، وأي كلام يدور في هذا المجال يُعتبر ثرثرة في نظرهم. أما الرجل، فإن عالمه مشغول بشؤون السياسة، والاقتصاد، والبناء، والحروب، والمؤامرات، وغيرها من تلك القائمة الطويلة، وهذه الأمور كلها من الأهمية بمكان بحيث لا يُعتبر الحديث فيها ثرثرة مهما طال!
هذا هو التقييم الذي يكمن وراء تأنيث الثرثرة في الوعي المجتمعي. إلا أن الأمور قد انقلبت، فأصبح حديث النساء لا يساوي جزءاً يسيراً من كثرة كلام الرجال، لذا ابتكر الرجال مقاهي الأرصفة وأماكن التجمعات الرجالية لمضغ الكلام، بينما تقتنص النساء الفرص من بين مشاغل البيت للحديث مع الجارة عند منعطف الشارع أو مع البقال.حتى جاءت أجهزة الإعلام بكل غاياتها لتذكّر بالثرثرة وتوثقها وتملأ بها الأزمنة، ثم يُتاح للمرأة أن تستعيد ذاكرتها الكلامية وتسهم بدورها في التحبير والخلط.
لتصبح الثرثرة هي الوجه اللامع لعالمنا الذي أضحى الكلامُ، ثم الكلامُ، ثم الكلامُ- أي الثرثرةُ بحسب المعجم- هويّتَه الدامغة، نساءً ورجالاً، وفق مبدأ المساواة! وأصبح (الكلام الجادّ) عدوّاً أشدّ من الأعداء الذين نعرفهم بالتسمية المعلنة، وينبغي محاربته سرّاً وعلانية، حتى يُتاح للعدو أن ينتصر بآلته العسكرية وليس بالثرثرة!