السردية طرح جديد ضمن المصطلحات الإعلامية الحديثة، ولعلها حلّت اليوم مكان «الخطاب» الذي له إطار تدخل في صلبه الأيديولوجيا و«البروبغاندا»، وهو في واقعه عنيف ومُوَجّه، أما السردية التي تُشكّل اليوم واقعنا المعاش فلها صفة النعومة وخيوطها من حرير، ولا تستعدي الآخر في سرديتها الأولى، لذا تعطي السارد الأول أسبقية شبه التصديق، لأن السارد الثاني، والذي تبعه، سيضطر إلى عملٍ مضاعف، أولاً تفنيد وتفكيك السردية الأولى، ثم بناء سرديته الذاتية ثانياً.
ولأننا في عالم تتسارع فيه المعلومات ويتسابق فيه الساردون في ضخ الصور والمعلومات وزيادة تدفقها، ولو كانت مغلوطة أو مفبركة، أو محسّنة بالذكاء الاصطناعي، أو وراءها هدف معيّن، أو خلق بلبلة في مكان ما، الآن ما عاد الخبر أو الواقعة مجرد حدث تنقله وسائل الإعلام ووسائط التواصل، بل غدا قصةً تُروى أو سرداً يصاغ ويحُكى، بحيث لم يَعُد بمقدورنا أن نستشف من الأحداث كيفما ومتى ما وقعت، غدونا نتلهّف لسماع ورؤية سرديات الرواة، التي صيغت لتشكيل الواقعة أو الحدث ودفعها جاهزة لاستخدامها واستهلاكها من قِبل عوام الناس غير الواعين، لتشكيل قناعاتهم والتأثير على عواطفهم وتشتيت انتباههم، من أجل التحكم بهم وتوجيههم من خلال حرب السرديات المُعلنة وغير المعلنة، الظاهرة والخفية، ولعل فيلم «الحفّار» الذي ظهر هذا الأسبوع لمن رآه منكم، ومن بطولة «توم كروز»، من أجمل مشاهده الرائعة وهو يخطب في المؤتمرين باختيار السردية المناسبة، وتوقيتها، وجعلها هجومية لا دفاعية، وعزفه على وتر حاجة الناس ورفاهية عيشهم ومستقبلهم الذي اعتادوا على حاضره الاستهلاكي.
إن التباين والاختلاف والضّخ في السرديات المتتالية على مسمع ومرأى الناس لا يعني أن السارد الأول كاذب بالمطلق، ولا يعني أن السارد الثاني صادق بالمطلق، وأن من يتبنّى السردية الأولى مقتنع تماماً، ومن يتبنّى السردية الثانية ليست لديه شكوك أو هواجس تراوده، الحقيقة أن كلا الساردين اختار زاوية ومكاناً مريحاً له ويخدم أهدافه، لذا وجّه عدساته وميكروفوناته باتجاه الرياح المواتية والأقوال المساندة لتقديم الواقعة أو الحدث، غافلاً عن بعض الحقائق لأنها لا تخدم مصلحته، ولا تصبُّ في منفعته.
هناك تساؤلات تُلحّ على الإعلامي الواعي دائماً وأبداً من أجل تفكيك الخطاب أو تفنيد السردية الإعلامية، مَن هو البطل في السردية؟ ومن يريد أن يكون المنتصر؟ ومن هو الذي تم إسكات صوته وطمس صورته، والاستعداد للإعلان عنه أنه المهزوم؟