بمحاذاة الشاطئ والميناء السياحي، يأتي الترام كل صباح، يظل في دورانه المستمر بين هذا الامتداد الجميل والمدينة المبتهجة بجديد ما ينهض من مبانٍ حديثة جداً في دبي.. يتجاوز الطرق والتقاطعات في خطه المستقيم الذي لا يعرقله أي شيء، يأتي في موعده تماماً ويغادر أيضاً حسب الوقت المحدد تماماً. تُزيِّن المكان محطة أخرى تشبه ظهر ربيان زجاجي أو بيضة طائر نورس، قبة زجاجية جميلة بها سلالم كهربائية ومصاعد حديثة تتحرك مثل الهمسات والنسمات المسائية في أذن الليل المبتهج بفرح المساء..
تلك محطة المترو، أُعدَّت بصورة حديثة، زاهية الألوان، وكأنها لوحة فنية عُلّقت على ساحة واسعة... خلف هذه المنطقة والمباني الشاهقة، بحيرة على شكل بيضاوي، تضيء في المساء بأنوار في غاية الجمال، مسارات بديعة وأرصفة جميلة، تنشط في الصباحات المبكرة والمساءات الحالمة.. أفواج من محبي التأمل والسير على الأقدام والرياضة الخفيفة والمشي الهادئ، حول هذه البحيرة يأتون من قريب وبعيد..
كم هي رائعة النسمات المسائية واهتزاز الأمواج على سطح البحيرة!.. جوار هذه البحيرة، يقف مبنى عالي الارتفاع، تطل نوافذه على محطة المترو وتجاوره تماماً مع ساحة واسعة، يصعد شارع الأسفلت ليشكل حدوة ويتوقف أمام هذا المبنى تماماً. يحمل المبنى صورة رأس نمر برتقالي اللون، يفتح فمه في صورة محايدة، لا تعرف إنْ كان يبتسم أو يزأر ويهدد بأنيابه البارزة..!! في حالات الفرح تشعر أن هذا النمر الوردي يبتسم لك ويحرس خطواتك وسعادتك بأيامك الجميلة، أما في حالات الحزن والكدر، فإنه نمر يخرج أنيابه حتى ينهش قلبك!!
ظلت الخطوات والمساءات الجميلة حاضرة، وذاكرة تطرق الأبواب والنوافذ، كلما حاول الوقت أن يمسح ويذيب تلك الصور الجميلة التي حُفرت في الذاكرة... بعد أن رحل وهجر المكان رفيق تلك المساءات الجميلة، لم يعد ينظر لذلك المكان الهادئ الجميل والبحيرة الرائعة بنفس النظرة الحالمة الجميلة، فالزمن والوقت والحال وحده الذي تبدل، ولم يتغير في المكان أي شيء. ما زال النسيم يداعب سطح الماء الأزرق، وما زالت المقاعد تنتظر من يشغل صمتها، والممشى والساحة كما كانا، حتى طيور البحر تأتي في مواعيدها وترحل في مواعيدها ووقتها!.. وحده هجر المكان، بينما أزهرت الشجيرات في أحواضها، وجاء من يشغل المقاعد الخالية، ولمع المساء بأضواء جديدة!


