من أجمل ما تمنحنا إياه السينما أنها تضعنا أمام أنفسنا من دون أن نضطر إلى الاعتراف بذلك؛ إذ تمنحنا مسافة آمنة نحاكم فيها الشخصيات، ونختلف معها، ونستنكر أفعالها، ونتساءل عن دوافعها، وربما ننحاز إلى طرف ضد آخر، وهو ما لا نجرؤ عليه علناً في حياتنا الخاصة. وهذا ما حدث في نقاشنا الأخير في «صالون الشيخة شيخة بنت محمد بن خالد آل نهيان للسينما»، حين أخذنا الفيلم الكوري «Parasite» أي (الطفيلي)، إلى مكان أبعد من حكايته وبيته الغريب!
في البداية، تحدثنا عن الإخراج، والرؤية الفنية، وعناصره البصرية، وتفحصنا شخوصه؛ غير أننا أصبحنا نتحدث في مرحلة متقدمة من النقاش عن أنفسنا من خلال مشاهده، وعن خياراتنا، وعن الأشياء التي نراها في الشخصيات لأنها تشبه شيئاً حولنا، أو حتى فينا!
فيلم «الطفيلي» من ذلك النوع الذي يترك الباب مفتوحاً في مكانٍ ما بداخلك؛ ففي ظاهره، نحن أمام عائلة فقيرة تحاول أن تجد لنفسها مكاناً في بيت عائلة ثرية، إذ يتحايل أحد أفرادها ليدخل، ثم يأتي بآخر، حتى تصبح الأسرة بأكملها في الداخل. أما في باطنه، فكان فيه كل شيء يخصنا؛ أشياء وضعتنا وجهاً لوجه أمام جوانب خفية من شخصياتنا، كرغباتنا، وعيوبنا، وهفواتنا، وتلك المساحة التي نقدمها للآخرين فتجعلنا مستباحين حد الاختراق!
يدخل الآخرون حياتنا لأنهم وجدوا فراغاً فينا ليشغلوه؛ في الوقت والعلاقات، وفي الثقة وفي كل ما لا ننتبه له، ولكنه يبدو واضحاً جداً لهم. نفعل ذلك بلا أدنى وعي؛ نوجد لهم بيئة خصبة ليُقبلوا على هيئة منقذ، أو صاحب، أو مساعد، ليحتلوا وعينا، ويرتبوا وقتنا أو مشاعرنا، ويصنعوا أولوياتنا.. ثم نتفاجأ بأنه أصبح صاحب سلطة علينا!
حسناً.. ماذا لو كنا نحن على الطرف الآخر من المعادلة؟ هل فكرنا كم مرة حدث أن دخلنا حياة أحدهم من الفراغ الذي تركه، ثم أخذنا نستبيح مساحته من دون إذن، بحجة أنه لم يمنعنا؟
يا تُرى.. كم مرة ظننا أننا ننقذ أحدهم، بينما كنا نعيد ترتيب حياته على مقاس حاجتنا نحن؟!
هذه الأسئلة هي أجمل وأهم ما بقي لي بعد الفيلم؛ فقد منحتني المناقشة فرصة لأتأمل حدودي مع الآخرين، وأراجع تلك المساحات حولي لأعرف متى كنت ضحية استباحها الطفيليون، ومتى تحولت إلى معتدية تتسلل إلى فراغ الآخرين.. من دون إذنهم.


