أصدرت الأديبة الإماراتية ميسون صقر القاسمي كتابها الجميل قبل ما يقارب خمسة أعوام «حيث صدر عام 2021» بعنوان «مقهى ريش: عين على مصر». وتجلَّت فكرة الكتاب في أبعاد ومحاور كثيرة ومتعددة، رُسِمت بعمقٍ ينم عن بحث رصين وثمين ودراسات عميقة وجلية، تسرد من خلاله قوالب حقيقية وتاريخية مبهرة، وتجسّد مفاصل المجتمع المصري بإمتاع وبمنحى كأن تاريخ مصر يولد من جديد.
كتابٌ ضخم يتشابك فيه استشراف التحديث المعماري لوسط القاهرة مع تفاصيل الحياة اليومية والثقافية والاجتماعية في مصر ككل، ممتداً عبر عصور زمنية مؤرخة ومشرقة حضارياً، ومحفوفاً بأحداث مشوقة، مما يضفي على العمل أهمية بالغة. وينبع هذا الثراء الثقافي مما سطره الكتاب من ذكر لقامات ثقافية وأدبية، ومراسلات، وندوات، عاكساً تفاعل المثقف المصري مع ما يدور حوله عبر مقهى ريش، الذي يمثل أيقونة وحاضناً اجتماعياً عبر العصور والإرهاصات اليومية.
يلامس الكتابُ رؤى متعددة تدور رحاها حول «مقهى ريش»، الأشهرِ دلالةً ومكانةً وتأثيراً، والمستوحاة من حقب زمنية مختلفة وحضارات تعاقبت على أرض الكنانة، لتؤكد -كما يروي التاريخ- أنها أرضٌ تمنح الحياة تطلعات الفكر والثقافة والقيم الإنسانية الحضارية.
يرسم الكتاب ملامح قصصية وفانتازية، بوصفها جزءاً ملهماً من الذاكرة الجمالية والحداثية لفضاءات وسط المدينة عبر مراحل تطورها، حاملاً روحاً للحداثة، وممثلاً مرافعةً عن أمكنة التحديث والحداثة، كما أُشير على غلافه الأخير. 
أما عن قراءة الكتاب، فقد وجدتُ فيه متعةً معرفيةً كبيرةً في استحضار العمارة والآثار والسير الذاتية الماثلة في الحكايات المختلفة، وحدائق المدينة وتطورها، فهذا البعد الفكري يشكل بانوراما ثقافية مهمة وتوثيقية.
لم يكن «مقهى ريش» مجرد مقهى يقع وسط صخب المدينة والناس كسائر المقاهي وطقوس الحياة المصرية الشهيرة والمبهرة، بل كان علامةً تاريخيةً أوردتها الكاتبة عبر وثائق تاريخية وشهادات مهمة.  
كتاب مختلف يجسد رؤية مغايرة في سياقها الثقافي البعيد، وطرحاً تاريخياً منبثقاً من الحقائق الواردة، فأن تقرأ التاريخ من خلال كتابة ملهمة تنطلق من ثقافة المكان، هو أمرٌ ينتمي إلى فضاء فكري مختلف تماماً، يتسم بالشفافية الثقافية في إبراز الموروثات الشعبية والاجتماعية ومدوناتها الصحافية.
 يكتسب «مقهى ريش» أهمية بالغة ضمن سلسلة إصدارات جائزة الشيخ زايد للكتاب. وكما أعلنت الكاتبة ميسون صقر القاسمي، فإنها بصدد ترجمته إلى اللغتين الإنجليزية والبولندية.