ثمة تقليد جميل في كرة القدم كما في الحياة، اسمه تقليد الناجحين. وعندما تبلغ إسبانيا قمة المجد، متوَّجة بكأس أوروبا 2024 ثم بكأس العالم 2026، وتقدم للعالم كرة تتصالح فيها المتعة مع الفعالية، يصبح من الطبيعي أن تتجه إليها الأنظار، وأن تتسابق مدارس كروية عديدة لاستنساخ تجربتها، وكأن الطريق إلى الألقاب لا يمر إلا من بوابة «التيكي تاكا» الإسبانية.
لكن، هل يكفي أن نمرر الكرة كما يفعل الإسبان حتى نصبح إسبانيا؟ وهل يمكن استيراد هوية كروية كما نستورد المعدات، أو نقل فلسفة لعب من بيئة إلى أخرى من دون أن نهيئ لها التربة التي تنبت فيها؟
هنا يكمن السؤال الفلسفي الذي يحتاج أيضاً إلى جواب فلسفي.
إسبانيا لم تبلغ ما بلغته اليوم بقرار تكتيكي عابر، أو لأن مدرباً قرر أن يجعل الاستحواذ عقيدة لا تقبل النقاش. ما تحقق هو حصيلة عمل امتد لسنوات، بدأ من التكوين، وامتد إلى الفئات السنية، وتواصل عبر أجيال من اللاعبين الذين تشرَّبوا الفكرة نفسها، قبل أن يحملوا قميص المنتخب الأول. إنها منظومة تصنع الاستمرارية، لا مجرد منتخب يصنع الانتصارات.
ولعل الدرس الأهم، أن الإسبان لم يتخلوا عن هويتهم عندما خاصمتهم النتائج بعد لقبهم المونديالي الأول بجنوب أفريقيا عام 2010.. لم يلقوا بفلسفتهم في سلة المهملات حين تحوَّلت كرة الاستحواذ، في بعض المحطات، إلى مادة للتندر. صبروا، راجعوا، طوروا، ثم عادوا إلى الواجهة أكثر نضجاً وقدرة على الجمع بين جمال اللعب وقسوة التنافس.
أما الذين يريدون تقليد إسبانيا، فعليهم أن يتذكروا أن لكل مدرسة خصوصيتها، ولكل بلد رصيده من المواهب، ولكل لاعب مفاتيحه التي لا تفتح بالضرورة الأبواب نفسها. ليس كل منتخب يملك بيدري ورودري ولامين يامال، وليس كل بيئة كروية قادرة على إنتاج لاعبين يستجيبون للمتطلبات الفنية والبدنية نفسها. والأخطر أن نفرض على مواهبنا قوالب جاهزة، فنقتل فيهم ما يميّزهم، ونخسر خصوصيتنا من دون أن نربح هوية الآخرين. وهنا تحضر الإمارات، بما راكمته كرتها من مكتسبات في التكوين والبنيات التحتية، وبما أظهرته من قدرة على المنافسة في مختلف الفئات مهما تقلّبت الأحوال واختلفت المنظومات. «الأبيض» ليس مطالباً بأن يصبح «لاروخا»، ولا أن يرتدي قميصاً تكتيكياً ليس على مقاسه. نحن مطالبون بأن نعرف من نحن كروياً، وأن نحسن استثمار مواهبنا، وأن نمنح مشروعنا الوقت اللازم لينضج، من دون أن نرهن اختياراتنا لموضة عابرة أو انبهار مؤقت.
فالتجارب الكبرى تلهمنا، لكنها لا تعفينا من صناعة تجربتنا الخاصة. ومن حقنا أن نتعلم من إسبانيا كيف تبني للمستقبل، لا أن نقلدها في كيفية تمرير الكرة.
في كرة القدم، لا تنتصر لأنك أصبحت نسخة من الآخر، بل لأنك اكتشفت أفضل ما في نفسك، ثم امتلكت الشجاعة لتجعله هوية، والصبر لتحوله إلى مشروع، والإيمان لتنتظر منه المجد.
ولعل المقوم الكبير لفلسفة داليتش، أنه مهما أغرتنا النسخ، فالأصل فينا يظل الأجمل والأبقى.


