هدوءٌ قبل مواعيد المطر، تمرُّ سحبٌ متفرقة، تحملها الريحُ إلى البعيد دون أن تنزل قطرةَ ماء. وحدها الحدودُ الجنوبية والشرقية، حيث الجبالُ تستقبل زخاتٍ خفيفةً، وكأنها تحياتُ بدء الشتاء.. كلنا ننتظر المطر، هذا الحبيب الجميل، الذي يوقظ فينا الحبَّ والانطلاق والمرح.
منذورةٌ هذه الجبال والسهول البعيدة بالاخضرار في مواسم المطر، الريحُ أجنحةُ عشاقِ الحياة والتجديد والنماء، وحباتُ البرد التي جاءت بالأمس على الجنوب، هدايا الغيم والرعد والبرق، وعربونٌ بأن يكون هذا الموسم من شتاء الإمارات جميلاً ومشرقاً كالعادة دائماً.
ننتظر انهمار المطر بصورةٍ أكبر، وأشمل وأعمَّ على الإمارات. نعشق الشتاء ونَسعد بالبرد الذي يأتي بعد لهيب القيظ المرتحل. سوف تزهو الأرض ويتغير كل شيء، فالصحراء التي هجرها عشاقها سوف يعودون إليها لصعود التلال والرمال الذهبية، وتتحول إلى تجمعات ومخيمات وحياةٍ نابضة بالنشاط. الجبال تجمع ماء السحب والمطر ثم ترسلُه في شلالات جميلة تزين ذلك الاخضرار الذي يصعد سريعاً، والشعاب تصب في مجاريها لتملأ السدود والبحيرات الصغيرة، وأشجار الغاف سوف تزداد اخضراراً وتفرح بالمطر.
طائرُ الخُضيري والحمامُ البري، سوف تعزف أغاني الفرح، وشجيراتُ «الحميض» و«الطرثوث» وأزهار الصحراء، ذات اللون الأصفر والبنفسجي، سوف تحتل مساحاتٍ كبيرة في محيط أشجار «السمر» و«الغاف» و«المرخ». التلالُ الرملية الصفراء سوف تتماسك تربتها وانحداراتها وتشرب المطر، حتى تصبح قوية وصلبة يمكن عبورها بالسيارات والدراجات، وكأنها تساهم في أن يعم الفرح ويسعد الجميع بالوصول إلى جوف الصحراء.. سوف تغني النخيلُ ويرقص سعفها مع الريح والمطر. الأرض تبتسم وتلمع مثل المرايا وكأنها مسرحٌ للفرح، المطر وحده واهب الحب والجمال وصانع الحياة. لحظات الهدوء التي تسبق المطر والريح، هي أجمل شيء ثم نسعد بالغيث.
قبل المطر، كان في قديم الزمان والوقت هناك منظرٌ جميل ولافتٌ جداً، اختفى في هذا الزمن الجميل، فلا أحد الآن يعتلي سقف المنازل لتفقد ومعاينة ما أعطبه الوقت أو الحرارة والصيف، والاستعداد لقدوم الشتاء والمطر. تلك الحركة والأعمال رحلت مع زمنها، الأصوات والأيادي الكثيرة التي تشد واقي المطر البلاستيكي (الطربال)، أو صب القار، أو ترتيب صفائح (المقير) التي تمنع تسرب الماء وتحمي المنزل من المطر.
تلك الأصوات المتعاونة في إصلاح وإعمار خيمة أو جدار أو سقف منزل، بالتأكيد لا تعرفها الأجيال الجديدة التي تنعم الآن بالمنازل الحديثة والجميلة.. للمطر ذاكرة جميلة، وفترة قدوم الشتاء والمطر أكثر روعة، إنها أنشودة الزمن القديم.
نحن في هدوء جميل وننعم بالمطر، ونسعد بالوطن الجميل، ونصنع حياة جديدة لمستقبل يعمه الحب والخير والسلام وهو الأهم.


