مُلهمةٌ هي الكتب، وعزيزةٌ على القلب، أينما وُجدت حلّقتَ بعالمها. جاذبةٌ بعناقٍ وودٍّ ويقين، تجمع أفكاراً وإبداعاتٍ وخيالات، كلما تعمّقتَ بها سكنتْكَ بفحواها الثقافي والأدبي والإنساني، ومحببةٌ إليك حدّ الإرهاق بقراءة محتواها. تزرع في صميم الروح لهفةً، وتفوح بعطرها من رفوف تحمل ألقها وثِقَلها. تمنحها الوقت فتتسربل في منفاها ككائنٍ وجوديٍّ آخر، ليكون على لسانك طعمُ الحروف ورائحةُ الحبر.. شغفكَ الأبدي، ومسرى لياليك في هدوئها المقيم في الذات.
إنها الكتب على مرِّ العصور، فتنة الحياة ومرساها، والتاريخ وفصول الأيام. تنبت في عجائب الدهر ملهمةً الإنسان الحق، المُشبع بالأحلام والذكريات الجميلة. تنعم بثقافة جمَّة تخلق من الإنسان مثقفاً، يتلامس بنورها المشعِّ في الذات، وتأخذ حيّزاً من سماته، وتتراءى بحروفها فيه، تلبسه التواضع والصدق والإنسانية الحقَّة.
للكتبِ أصدقاء، ربما نصادفهم في المكتبات، كلٌّ يمضي في احتياجه عبر رفوفٍ من اختلاجاتٍ ورؤى، ومساحةٍ من أيقوناتٍ متفرقة، من أجل أن يقتنوها كما لو أنهم يقتنون حريراً فاخراً. وبين ممرات المكتبات الضيقة يتنقلون حسب مصادر قراءتهم، وتبدو لهم الكتب الجامعة بمجلداتٍ عناوينُها تحكي دهراً، وأسماء كُتَّابٍ ومؤلفين رحلوا، وهم لا يزالون يحدِّثون ملأً من الناس. هي منطقهم ونطقهم الشاسع، وتكمن فيها كم كانت لهفتهم، ومنزلهم، ومنزلتهم الرفيعة.
تجد أصدقاء البحث عن الكتب لهم سماتهم، وهي مرهقة لهم، إلا أنها متعةٌ تمنحهم لذةً لا توصف. يروق لهم احتدام البحث، وحديث النفس، وضجر تأخر إيجاد الكتب، وإذا ما وجدوا الكتب المرادة احتفلوا بها احتفاءً باللقاء الحميميِّ ذي الأبعاد الجميلة والرائعة. تختلجهم وتسحرهم، ولهم فيها عمق ما قد فات من فكر وثقافة، ورؤى آتية حرة تتدفق في أفكارهم تدفقاً جميلاً.
ترى من الصعب أن يتخلّوا عن كتاب يمتعهم في قراءته، ومن الحسرة أن يرحل من مكتبات بيوتهم. أتذكر الراحل الأديب الأردنيَّ خليل قنديل حين رحل من أبوظبي إلى عمّان في بدايات التسعينيات، إذْ أحال إليَّ جزءاً من مكتبته. ولأنه كان قارئاً ومدخناً بشراهة معاً، أصابتني كتبه بالربو وتلقّي العلاج! كنت في ذلك الوقت متشوقاً لقراءة بعض تلك الكتب العالمية، لكنها صدمتني برائحة كثيفة من دخان السيجارة بكثافة لا توصف، وفي آن واحد لم يكن يمكن أن تتوقف عن قراءتها.
هذه حال الكتب في تدفُّقها من مكتبة إلى أخرى، ومن صديق إلى آخر، وكأنها تحمل رسالتها عبر الوجود، وكأنها ترسم بانوراما من الصدق، وذائقةً ترسم معالمها من فسيفساء نادرة، تعجب لها كيف تحلِّق من عالم إلى آخر! وأجمل ما في المكتبات أنها عالم من الصمت، إلا أنَّ حروفها تتحدث مع أصدقائه.


