تتجسد عمق العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت في مسيرة تعاون ثقافي راسخة، امتدت من مجالات التعليم والإعلام إلى الفنون والآداب، لتصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة الفريدة بين البلدين، والتي صاغتها البيئة والجغرافيا والتاريخ المشترك، وحرصت على تنميتها رؤى القيادة الرشيدة في كلا البلدين على مدى العقود.
وشهدت مسيرة التعاون الثقافي بين الإمارات والكويت محطات مضيئة تركت بصماتها العميقة في وجدان الأجيال المتعاقبة، إذ تعود جذورها إلى ما قبل قيام اتحاد دولة الإمارات، ثم تزايد زخمها بعد إعلان الاتحاد، مع تعزيز العلاقات الثنائية التاريخية التي تُوّجت بلقاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالمغفور له الشيخ صباح السالم الصباح عام 1973، لتستمر هذه المسيرة في عهد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، وتبلغ اليوم آفاقاً أوسع في ظل نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يؤكد في كل مناسبة على عمق العلاقة الاستثنائية التي تجمع البلدين.
وتأتي توجيهات القيادة الرشيدة بالاحتفاء بالعلاقات الأخوية الراسخة بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت الشقيقة في الفترة من 29 يناير 2026 ولمدة أسبوع في جميع إمارات الدولة، تجسيداً عملياً لهذا النهج، وتأكيداً لعمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين وشعبيهما الشقيقين والممتدة لعقود.
وشكّل قطاع التعليم ركناً أساسياً في مسيرة التعاون الثقافي بين دولة الإمارات ودولة الكويت منذ بداياتها، حيث تعود أولى خطوات هذا التعاون إلى العام 1952، عندما وجّه أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، عقب زيارة لإمارة الشارقة، بإرسال بعثة تعليمية كويتية إلى الإمارات.
وفي العام الدراسي 1953-1954، بدأت أولى ثمار هذا التوجه مع انطلاق التعليم النظامي في الشارقة، من خلال افتتاح مدرسة القاسمية للبنين، التي اعتمدت المنهج الدراسي الكويتي تحت إشراف البعثة التعليمية الكويتية، وشكّلت النواة الأولى للتعليم الحديث في الإمارة، حيث شكلت مدرسة القاسمية (للذكور) نقطة البداية الفعلية للتعليم النظامي الحديث في الإمارات.
وفي الفترة من 1954-1960 تم اعتماد منهج دراسي متكامل بمراحله المختلفة (ابتدائي، إعدادي، ثانوي)، وإرسال بعثات تعليمية من الكويت إلى الإمارات عملت داخل المدارس، وأشرفت على التدريس والإدارة والامتحانات، وتزويد المدارس بالكتب والقرطاسية ووسائل الإيضاح قبل بدء الدراسة، لضمان انتظام العملية التعليمية، وتوفير الزي المدرسي ووجبات التغذية اليومية، على غرار ما هو معمول به في المدارس الكويتية.
كما تم افتتاح "مكتب دولة الكويت في دبي" عام 1963، ليكون قناة رسمية للإشراف على المساعدات الكويتية في الإمارات الشمالية، حيث احتلّ التعليم موقع الصدارة في مهامه، سواء من حيث متابعة المدارس والبعثات التعليمية أو ضمان استمرارية العملية التعليمية، إلى جانب الإشراف على مجالات خدمية أخرى.
واضطلع هذا المكتب بمهام التنسيق والإشراف والمتابعة، وأسهم في ضمان استمرارية الدعم، وتوحيد المعايير التعليمية، وتطوير المدارس القائمة، ما أعطى الدور الكويتي بعداً مؤسسياً مستداماً، يتجاوز المبادرات الفردية أو المؤقتة.
ومن أبرز أوجه الدور الكويتي دلالةً وتأثيراً أن طلبة المرحلة الثانوية في الإمارات كانوا، حتى عام 1967، يؤدّون امتحانات الشهادة الثانوية العامة وفق النظام الكويتي، وتُعتمد نتائجهم خارج الدولة.
ويُعد تعليم البنات أحد أكثر أوجه الدور الكويتي عمقاً وتأثيراً في مسار بناء المنظومة التعليمية في الإمارات، حيث أسهمت الكويت إسهاماً مباشراً في إرساء تعليم نظامي منتظم للفتيات، عبر إنشاء مدارس متخصصة للبنات في عدد من الإمارات، وفق تسلسل زمني واضح.
ففي الشارقة، بدأ التعليم النظامي للبنات مع مدرسة فاطمة الزهراء في العام الدراسي 1953-1954، التي اعتمدت منهجاً حديثاً شمل اللغة العربية والإنجليزية والحساب والعلوم والتربية الدينية. ولاحقاً، تعزز هذا الدور بإنشاء مدرسة أسماء الابتدائية للبنات عام 1962، ثم مدرسة عبدالله السالم للبنات عام 1968، بما أسهم في توسيع قاعدة التعليم النسائي في الإمارة.
وفي دبي، جاء تعليم البنات ضمن مرحلة توسّع التعليم النظامي في أواخر الخمسينات، حيث افتُتحت مدرسة خولة بنت الأزور للبنات ومدرسة الخنساء للبنات عام 1958، في سياق منظومة تعليمية كانت تحظى بدعم وإشراف البعثات التعليمية، وفي مقدمتها البعثة الكويتية، ما أسهم في توسيع إتاحة التعليم النظامي للفتيات في الإمارة.
أما في رأس الخيمة، فقد افتُتحت أول مدرسة نظامية للبنات عام 1959 ضمن المسار نفسه لتوسيع التعليم النظامي في الإمارة، والذي كان جزءاً من الإطار التعليمي العام المدعوم كويتياً في تلك المرحلة، بما عزز حضور تعليم الفتيات في الإمارات الشمالية.
ولم يقتصر الدور الكويتي على فتح مدارس للبنات، بل انتقل إلى بناء الكوادر التعليمية النسائية، عبر إنشاء معهد لتخريج المعلمات في الشارقة عام 1966، وهو ما مثّل تحولاً استراتيجياً من مجرد إتاحة التعليم للفتيات إلى تأهيل المرأة الإماراتية بوصفها فاعلاً تربوياً ومهنياً.
وقد أسهم هذا المسار المتدرج في تكوين النواة الأولى للمعلمات الإماراتيات، اللواتي شاركن لاحقاً في بناء التعليم الوطني بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ما يجعل تعليم البنات أحد أكثر مجالات الدور الكويتي استدامةً وأثراً في التاريخ التعليمي للدولة.
وامتدت مسيرة التعاون التعليمي بين البلدين عبر العقود اللاحقة، لتشهد تطوراً نوعياً يعكس الثقة المتبادلة في المنظومات التعليمية، حيث تستقبل الجامعات الإماراتية أعداداً متزايدة من الطلبة الكويتيين الذين يستفيدون من البيئة التعليمية المتقدمة، إلى جانب استمرار تبادل الخبرات والبرامج الأكاديمية بين المؤسسات التعليمية في البلدين.
وبلغ عدد الطلبة الكويتيين الذين يدرسون في الجامعات الإماراتية 1725 طالباً، وقد أصدرت الكويت قرارات شجعت الطلبة أكثر على الدراسة في الإمارات، حيث صدر قرار وزاري في أغسطس 2023 من قبل وزير التعليم بالوكالة في دولة الكويت يتعلق بتسجيل والتحاق الطلبة الكويتيين ببرامج البكالوريوس في تخصص الطب البشري في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك في جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية بإمارة دبي وجامعة الخليج الطبية بإمارة عجمان.
كما أعلنت وزارة التعليم العالي بدولة الكويت في أغسطس 2024، عن إضافة برنامج ماجستير في تخصص علاج وجراحة اللثة بكلية حمدان بن محمد لطب الأسنان في جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية بدولة الإمارات، حيث يأتي هذا القرار ضمن جهود الوزارة لتوفير برامج تعليمية متخصصة تلبي احتياجات الطلبة الكويتيين.
وأسهمت اللجان المشتركة في ترسيخ التعاون الثقافي والتربوي بين البلدين، حيث تم خلال الدورة الأولى للجنة العليا المشتركة بين الإمارات والكويت، التي عقدت في مارس 2008، توقيع سبع اتفاقيات شملت مجالات الثقافة والفنون والتربية والتعليم العالي والبحث العلمي.
وفي عام 2014 جاء محور التعاون الثقافي في الدورة الثالثة للجنة، حيث تضمن التوقيع على برنامج تنفيذي للتعاون في مجال المكتبات والثقافة والفنون بين دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، وفي عام 2020 تم التوقيع على برنامج تنفيذي للتعاون في المجال التربوي وبرنامج تنفيذي للتعاون في مجال الثقافة والفنون.
وفي إطار التبادل الثقافي، افتتح في عام 2019 معرض "روائع الآثار في دولة الكويت" في متحف الشارقة للآثار بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت وبإشراف هيئة الشارقة للمتاحف، حيث ضم هذا المعرض مجموعة نادرة من القطع الأثرية المكتشفة في عدد من المواقع الأثرية في الكويت، ويعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين الألف السادسة قبل الميلاد وحتى نهاية القرن الأول الميلادي.
وشهدت السنوات الماضية تعاوناً مستمراً بين المؤسسات الثقافية في الكويت والإمارات من خلال تنظيم الأسابيع الثقافية وتبادل الفرق الفنية والمسرحية وإقامة المعارض المشتركة والمنتديات الفكرية والأدبية.
وفي فبراير 2020 تم تنظيم اليوم الثقافي الإماراتي في الكويت بالشراكة مع وزارة الثقافة في الامارات ومركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان ومنصة كلمات للثقافة والإبداع في دولة الكويت.
كما نظّمت سفارة دولة الإمارات لدى الكويت، في مايو 2025، بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فعاليات "ليالي الإمارات الثقافية في الكويت" بمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة والإعلام العربي.
وفي سبتمبر 2025 تم تنظيم فعاليات "الأيام الثقافية الكويتية الإماراتية 2025" في المسرح الوطني بأبوظبي التي تضمنت معارض فنية وإصدارات ثقافية، وعروضاً شعبية، وفيلماً وثائقياً عن العلاقات الإماراتية الكويتية.
وتعد الأيام الثقافية حلقة جديدة تضاف إلى سلسلة من الشراكات المثمرة التي تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي ونقل الخبرات والإبداعات بين شباب البلدين ومثقفيهما وفنانيهما.
ويمثل الإعلام أحد أبرز روافد التعاون الثقافي بين البلدين، حيث بدأت هذه المسيرة عام 1969 عندما أنشأت دولة الكويت محطة إرسال تلفزيوني في إمارة دبي تحت اسم "تلفزيون الكويت من دبي".
وقد كانت هذه المحطة نقطة انطلاق لمسيرة تعاون إعلامي توطدت عبر العقود، وبرزت خلالها محطات بارزة، أبرزها الموقف الإعلامي الإماراتي أثناء الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث سخّرت المؤسسات الإعلامية الإماراتية كافة إمكاناتها لتكون صوتاً داعماً للكويت وشعبها، في موقف تاريخي جسّد عمق الأخوّة والمصير المشترك.
كما تحرص المؤسسات الإعلامية في البلدين على تعزيز التعاون وتطوير مبادرات مشتركة تعزز الرؤية الإعلامية لكلا الجانبين، إلى جانب تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الإعلامية الرائدة، بما يسهم في الارتقاء بالأداء الإعلامي.
ويمثل الفن بمختلف أوجهه عنصراً بارزاً في مسيرة التعاون بين الإمارات والكويت، ففي حين كانت الكويت سباقة في تأسيس حركة مسرحية وأدبية بارزة في وقت مبكر من تاريخ الخليج الحديث، احتضنت الإمارات مشاريع كبرى للمعرفة والإبداع جعلتها اليوم وجهة عالمية للثقافة والفكر، وقد شكّلت هذه المسيرة المشتركة للبلدين دوراً فاعلاً في بناء الوعي الإنساني وتعزيز مكانة الثقافة كقوة ناعمة تساهم في النهضة المستدامة.
وارتكز التعاون الثنائي في مجال الدراما والإنتاج الفني في المشاركة في الإنتاجات وعرض المسلسلات الكويتية، والمسلسلات المشتركة بين الإمارات والكويت على شاشات القنوات المحلية في البلدين.
وعلى مدى أكثر من 6 عقود، وكثمرة للدعم المقدم من الجهات المتخصصة بالفنون بمختلف أشكالها، شهدت الحركة الفنية الكويتية تطوراً لافتاً في المسرح والتلفزيون والسينما، وتأثرت بها بشكل كبير نظيرتها الإماراتية.
وتم إنتاج الكثير من الأعمال المشتركة، كما شارك العديد من الفنانين في البلدين في أعمال مهمة استقطبتها كل من الشاشات الإماراتية والكويتية، بما في ذلك القنوات الفضائية، ودور السينما، وتوجه العديد من المنتجين الكويتيين إلى تنفيذ أعمالهم في الإمارات، كما استقطبت الكويت العديد من العناصر والكوادر الفنية الإماراتية.