هدى الطنيجي (أبوظبي)
في المشاريع الوطنية الكبرى، لا يكفي أن تولد الفكرة طموحة؛ فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تغادر الرؤية حدود التصور لتواجه الواقع، وفي الإمارات، تقف نساء مواطنات في قلب هذه اللحظة الفاصلة، حيث تتحول الطموحات العلمية إلى تقنيات تخضع للاختبار والتطوير، من مركبات تستعد لرحلات الفضاء العميق، إلى أنظمة ليزر عالية القدرة، وآلات ذاتية الحركة مطالبة بإثبات كفاءتها في بيئات لا يمكن التنبؤ بها، ومن داخل منظومة مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، تسهم هؤلاء الباحثات والمهندسات والمتخصصات في بناء قدرات وطنية لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تعمل على صناعته.
خبرات وكفاءات
من بين هذه الطاقات الوطنية، تبرز نماذج لنساء إماراتيات اخترن أن يكنّ جزءاً من رحلة التحول العلمي والتكنولوجي، من داخل منظومة مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، فخلف كل مشروع متقدم، تقف خبرات وكفاءات تعمل بشغف ودقة على تطوير حلول قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، وتكشف قصص هؤلاء النساء عن مسارات مهنية تجمع بين المعرفة العلمية والطموح الوطني، وتقدم صورة واضحة لدور المرأة الإماراتية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، حيث لا تكتفي بالمشاركة، بل تتولى أيضاً أدواراً مؤثرة في البحث والتطوير والهندسة، وتسهم في تحويل الأفكار الطموحة إلى ابتكارات يمكن اختبارها وتطبيقها على أرض الواقع.

طموح.. إلى الفضاء العميق
وتقول مريم الحمادي، مهندسة دفع كهربائي، في مركز بحوث الدفع والفضاء التابع لمعهد الابتكار التكنولوجي: أشارك بخبرتي في دعم «مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات»، إحدى أكثر رحلات دولة الإمارات طموحاً إلى الفضاء العميق. ويركز عملي على نظام الدفع الكهربائي الشمسي للمركبة الفضائية، من خلال تقييم أداء الدفع، والمساعدة في اختبار النظام والتحقق من قدرته على العمل بموثوقية طوال مدة المهمة، وقد حظيت أبحاثي بالفعل بتقدير دولي، في حين يسهم عملي في هذه المهمة في إحداث أثر أقرب إلى الوطن، ومن خلال تطوير المعرفة المتخصصة والبنية التحتية اللازمة لاختبار هذه الأنظمة داخل دولة الإمارات، أعمل وزملائي في تعزيز طموحات الدولة المستقبلية في قطاع الفضاء.

الليزر عالي القدرة
بدورها، قالت هاجر المهري، في مركز بحوث الطاقة الموجهة التابع لمعهد الابتكار التكنولوجي: أساهم في مجال الطاقة الموجهة لترسيخ خبرة دولة الإمارات المتنامية في تقنيات الليزر عالي القدرة، ومن خلال خبرتي في الهندسة الكهربائية، أقود الأنشطة الكهربائية عبر أنظمة الليزر عالي القدرة، وتطوير هياكل كهربائية متقدمة وحلول لإدارة الطاقة، مع دعم التكامل الكهربائي والتكامل على مستوى الأنظمة لمنصات معقدة ومتعددة التخصصات عبر التطبيقات البرية والبحرية والجوية، حيث يعالج عملي أحد أبرز التحديات الهندسية في تقنيات الليزر عالي القدرة، والمتمثل في تحقيق مستويات أعلى من القدرة والأداء التشغيلي ضمن أنظمة أكثر إحكاماً وكفاءة وموثوقية في استهلاك الطاقة، ويتطلب ذلك تحسين توزيع الطاقة وإدارتها والتكامل الكهربائي لدعم التشغيل المستمر للأنظمة مع تلبية متطلبات أداء عالية، ومن خلال هذا العمل، أساهم في تعزيز القدرات التكنولوجية السيادية لدولة الإمارات، ودفع الابتكار الدفاعي في مجال عالي التخصص وشديد التنافسية عالمياً.

تقنيات.. من الجيل القادم
من جانبها، قالت زينب كرم، باحثة أولى في مركز بحوث المواد المتقدمة التابع لمعهد الابتكار التكنولوجي: أعمل ضمن فريق أنظمة ومواد الطاقة لتطوير وتصميم واختبار مواد جديدة لتقنيات الطاقة من الجيل القادم، ومن خلال برنامج NexTech التابع لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، أتابع دراسة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية بجامعة أوتاوا. وقد ساهمت في 5 طلبات براءات اختراع في الولايات المتحدة، كما ألفت وشاركت في تأليف عدد من المنشورات العلمية المحكّمة.
روبوتات المستقبل
من جهتها، قالت شما الهاجري، مديرة مشاريع في مركز بحوث الروبوتات المستقلة التابع لمعهد الابتكار التكنولوجي، حيث يعمل الباحثون على تطوير الأنظمة الذاتية والروبوتات والتقنيات المسيّرة: أعمل على نقل مشاريع البحث والتطوير المعقدة من مرحلة التخطيط إلى التسليم، وبخلفية في الهندسة الكهروميكانيكية وإدارة الهندسة، وأدعم الفرق التقنية في عمليات المشاريع، والمتطلبات التنظيمية، وأنشطة الاختبار، ومن خلال إدارة المتطلبات التشغيلية للبحث والتطوير، أعمل على منح الباحثين المساحة اللازمة للتركيز على تحويل التقنيات الذاتية إلى واقع.
حلبة السباق
قالت آمنة المرزوقي، ميكانيكي سيارات سباق -الفريق الفني لدوري أبوظبي للسباقات المسيّرة والمستقلة، معهد الابتكار التكنولوجي لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة: خارج المختبرات، تشكل حلبة السباق ميداناً آخر لاختبار التكنولوجيا. وضمن دوري أبوظبي للسباقات المسيّرة والمستقلة (A2RL) التابع لـ«أسباير»، أقدم مهاراتي الهندسية في صيانة، وتحديث سيارات السباق الذاتية من فئة سوبر فورمولا. أعمل على تطبيق خبرتي في بيئات جديدة تفرض فيها ظروف الحلبة والطقس المتغيرة تحديات هندسية جديدة.
تمكين المواهب
قالت الدكتورة مي المنصوري، مديرة إدارة تمكين مواهب البحث والتطوير في مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة: حصلت على الدكتوراه في الهندسة الكهربائية، وكنت أقود في السابق قسم الكهرومغناطيسية في معهد الابتكار التكنولوجي، أما اليوم، فأعمل على تمكين الجيل القادم من الباحثين، ومع أكثر من 30 منشوراً دولياً و3 براءات اختراع وتقديرات علمية مرموقة، انتقلت من بناء خبرتي الخاصة كباحثة وقائدة تكنولوجية إلى خلق الفرص أمام الجيل القادم.
ومن خلال مبادرات مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، جرى إشراك أكثر من 30.000 طالب حتى اليوم، حيث أتيحت لهم فرصة التعرف إلى التكنولوجيا المتقدمة واستكشاف مسارات نحو وظائف المستقبل. وتُظهر مسيرتي كيف يمكن للخبرة التي تتطور داخل منظومة البحث العلمي في دولة الإمارات أن تمتد إلى المستقبل، من خلال إتاحة الفرص لآلاف الشباب.
مُنجز تبني عليه الأجيال
معاً، تمثل هؤلاء النساء الـ6 ما هو أكبر من الإنجاز الفردي، فقيادتهن جزء من القوة العلمية والتكنولوجية لدولة الإمارات، وإسهام في المعارف والقدرات التي ستدفع الدولة إلى الأمام، وكل مسؤولية يتولينها، وكل فرصة يساهمن في إتاحتها، وكل محطة يحققنها، تضيف إلى إرث ومنجز ستبني عليه الأجيال المقبلة من النساء الإماراتيات. إن نجاحهن يعكس حجم ما حققته الإمارات، ويجسد وعداً بما ينتظرها في المستقبل، ومع تطلع دولة الإمارات إلى فصلها المقبل من الاكتشاف والابتكار، ستقود المرأة الإماراتية أكثر طموحاتها جرأة، وتوسع حدود ما تستطيع الدولة تحقيقه من إنجازات.