مصطفى عبد العظيم (أبوظبي)
أكد بدر جعفر، المبعوث الخاص لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية لوزير الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، الرئيس التنفيذي لشركة الهلال للمشاريع، أن «الشراكات الاقتصادية الشاملة» تعزّز ارتباط دولة الإمارات بأهم الأسواق العالمية سريعة النمو، منوّهاً بما حققته الدولة من إنجازات متسارعة في مجال التقنيات الحديثة رسّخت مكانتها العالمية أرضاً خصبة لازدهار الذكاء الاصطناعي وصياغة الحلول الذكية التي تعالج تحديات عالمية.
وقال إن قصة النجاح الإماراتية غَدَت اليوم نموذجاً ومعياراً للقيادة الحكيمة والتحولات الجذرية، مشيراً إلى أن النموذج الإماراتي الملهم عالمياً يرتكز على ثلاثة أعمدة رئيسية تتمثل في الوضوح الاستراتيجي، والتنفيذ المُنظَّم، واستقطاب المواهب والأفكار ورأس المال من جميع أنحاء.
وأوضح أنه دائماً ما تُصنَّف دولة الإمارات وفق المعايير الدولية ضمن أعلى اقتصادات العالم في الكفاءة الحكومية والانفتاح التجاري والمرونة الرقمية، وتتربّع على عرش التنافسية الاقتصادية في الشرق الأوسط لقرابة عشر سنوات.
وأشار جعفر إلى الإنجاز الذي حققته دولة الإمارات على صعيد التنويع الاقتصادي، والذي يُترجم اليوم بمساهمة القطاعات غير النفطية بأكثر من 75.5% من الناتج الإجمالي المحلي، وهو إنجاز مفصلي تحقق بفترة قياسية لم تتجاوز جيلَيْن من الزمن.
وأكد أن هذه النتائج الاستثنائية هي ثمرة قيادة رشيدة وحوكمة نموذجية، تقوم على الثقة والأنظمة الواضحة والإصلاحات الاستباقية، والتركيز دائماً وأبداً على الأداء والتنفيذ، سواء كان ذلك بتسهيل تراخيص الأعمال، أو رقمنة الخدمات الحكومية، أو الاستثمار في القطاعات المتقدمة كالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.
وأضاف أن: «هذه العقلية العملية هي ما تمنح الأعمال والمستثمرين الثقة والطمأنينة للتخطيط على المدى البعيد، حتى في خضم التقلبات والاضطرابات العالمية».
مكانة محورية
وفيما يتعلق بالوضع الراهن في الأسواق والاقتصادات العالمية المتجزّئة، وقدرة دولة الإمارات المحافظة على مكانتها محوراً جامعاً لرأس المال والإمكانات والأسواق، أوضح جعفر أنه في حين تُبالغ العديد من الاقتصادات بقيودها وتنغلق أكثر فأكثر على نفسها ومع انعزال سلاسل الإمداد، تقوم الإمارات في المقابل بتكثيف الترابط والاتصال بأجوائها المفتوحة وموانئها المتاحة وعقولها المتفتحة.
وأوضح أنه بالنظر إلى الأرقام والبيانات لإدراك فعالية هذا النهج، استقطبت دولة الإمارات في 2024، أكثر من 45 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بزيادة سنوية تفوق 50%، وذلك في وقت سجّلت فيه التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة عالمياً تراجعاً بنسبة 11%، وكان لدولة الإمارات النصيب الأكبر من مجموع التدفقات الاستثمارية في الشرق الأوسط بأكثر من النصف، وصُنِفت بالمرتبة الثانية عالمياً في المشاريع الجديدة، واستقبلت قرابة 10 آلاف مليونير جديد وأكثر من 250 ألف شركة جديدة.
وأضاف أنه وبنفس الوتيرة، ازدهرت الشراكات التجارية وتوسعت، إذ أُبرِمت أكثر من 30 اتفاقية شراكات اقتصادية شاملة في السنوات الثلاثة الماضية، معزّزة ارتباط دولة الإمارات بأهم الأسواق العالمية سريعة النمو، نَذكر منها الاتفاقية مع الهند التي كثّفت التجارة الثنائية بأكثر من الضعفين منذ 2022، متجاوزة 100 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن تزيد على 200 مليار دولار بحلول 2030.
وأكد جعفر أن دولة الإمارات رسّخت مكانتها العالمية لتكون الخيار الأمثل عند البحث عن دولة بعقلية تجارية منفتحة وموانئ متاحة على الدوام وأنظمة مالية محصَّنة من التداعيات الجيوسياسية، لاسيما في هذه المرحلة التي يتسع فيه التشتت والتجزؤ، مشيراً إلى أن سهولة الاتصال والثقة والتنظيم أصبحت مكونات استراتيجية حاسمة في سمعة الشريك، لا مجرد مزايا ثانوية يمكن الاستغناء عنها.
تطورات تكنولوجية
وفيما يتعلق بأفضل الطرق للاستفادة من التطورات التكنولوجية مع الحفاظ على النمو الشامل المعتدل، خاصة مع تسارع التحولات الرقمية وتفشي الذكاء الاصطناعي في المراحل المقبلة، أوضح جعفر أنه لم يسبق للعالم أن شهد هذا الكمّ الهائل من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، التي فاقت 1.5 تريليون دولار عالمياً، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وحده، تجاوز رأس المال المخصص لهذا المجال تكاليف مشروع الهبوط على القمر ومشروع مانهاتن معاً، لكن رغم هذا السيل الاستثماري، لم تتجاوز حصة مبادرات التأثير الاجتماعي 1%، تتركّز في الاقتصادات الأعلى دخلاً.
وقال جعفر: إن دولة الإمارات برؤية قيادتها الاستشرافية كانت من أوائل الدول التي أدركت مبكراً دور وأهمية الذكاء الاصطناعي في تشكيل المستقبل، فأعلنت في 2017، تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ووضعت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي حتى قبل إطلاق «ChatGPT» بخمس سنوات، وفي 2019، أسَّست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة مكرَّسة لأبحاث الدراسات العليا في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم بأسره، وفي سابقة عالمية، وفَّرت الدولة لكل مُقيم إمكانيةَ الاستخدام المجاني لأدوات ذكاء اصطناعي متقدمة بواسطة محادثة آلية وطنية. وأوضح أن أكثر من 60% من سكان الإمارات يستخدمون اليوم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، ما أكسَب الدولة أعلى معدل للثقة بالتطبيقات الذكية عالمياً، مشيراً أنه من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما يصل إلى 14% من الناتج الإجمالي المحلي بحلول 2030.
وأوضح جعفر أنه من أهم العوامل التي عزّزت هذا الأداء والنتائج انفتاح دولة الإمارات ومرونتها، حيث اختارت أن تكون منصة مفتوحة وموثوقة عالمياً، فأضحت أرضاً خصبة لازدهار الذكاء الاصطناعي وصياغة الحلول الذكية التي تعالج تحديات عالمية حقيقية.
وفيما يتعلق بدور القطاع الخاص ورؤوس الأموال الخاصة في تحقيق هذه الأجندة، أشار جعفر أن مهمة الحكومات الأساسية تقديم التوجيهات وتَهيِئَة بيئة مواتية لنمو الأعمال وانتعاشها، أما القطاع الخاص فيقع على عاتقه تفعيل الأهداف والانتقال بها من قوائم الطموحات إلى أرض التنفيذ والنتائج، بخُطى سريعة وفعالة ومدروسة، موضحاً أن هذا الانسجام بين الرؤية الحكومية والأعمال الخاصة هو النهج الراسخ الذي طالما تبنّته دولة الإمارات واتخذته بوصلة لتقدمها وريادتها.
سلاسل الإمداد
وأضاف أنه: «على سبيل المثال، يتجلى تأثير هذا النهج في قطاع البنية التحتية، سواء كان بسلاسل الإمداد التي تربط الدول والقارات، أو منصات التكنولوجيا المالية التعاونية التي تُدير المعاملات والصفقات، فتنساب الإجراءات اللوجستية وتترابط النظم الرقمية بسلاسة، ما يعزّز الثقة بالاستثمار وحشد رؤوس الأموال وتوطيد العلاقات، هذه هي الدبلوماسية التجارية بأبهى صورها، التي كانت وما زالت إحدى المحركات الرئيسية لازدهار دولة الإمارات.
وأشار إلى أنه من الأهمية أيضاً أن تُخصص رؤوس الأموال وفق أهداف محددة لتكون داعماً فعالاً للابتكار في البنية التحتية والأنظمة والتكنولوجيا الحديثة، فالعمل الخيري الاستراتيجي قادر على تحقيق النتائج، وإزالة المخاطر من الاستثمارات في مراحلها المبكرة، وعلى تمويل المؤسسات المشتركة والنماذج التي أثبتت قدرتها على الانتقال من إطار التجارب إلى ميدان التنفيذ والتوسع.
وأوضح أن من أبرز مهام المبعوث الخاص لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية، التركيز على التواصل والتفاعل البناء، والربط بين السياسات الحكومية وبيانات السوق، والمواءمة بين رأس المال والابتكار والشراكات لدعم الاستثمارات والمبادرات الطويلة الأمد، والعمل على تنسيق التعاون بين القطاعات المختلفة لتسريع التنفيذ، مشيراً في هذا السياق إلى عدد من المبادرات التي تم إطلاقها في الاجتماع السنوي لحكومة دولة الإمارات، تجمّع واضعي السياسات مع الأعمال وقادة القطاع الخيري، والتي تهدف إلى ترسيخ الشراكات الاستراتيجية بالتوافق مع رؤية «نحن الإمارات2031» و«مئوية الإمارات 2071»، وبناء منظومات شاملة تدعم النمو المستدام والازدهار المشترك والقيم المستدامة.