الأحد 3 مارس 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

محمد بن ثايب.. شاعر الماء

محمد بن ثايب.. شاعر الماء
16 أكتوبر 2021 00:50

إبراهيم الملا

«قلبي كما قفلٍ تولّاه مفتاح/ وبكيف فرّاته جرى باللواليب
مشكان ما ينذاب لو نحت يا صاح/ يفرح عدوّك وإن بِلَتْكْ المصاويب
لي صاحبٍ خدّه كما البرق لي لاح/ وإن نشّ عريان كما قالب (الحيب)
وإن صار لي يا صاح بالمون ذبّاح/ جيشه وطا جيشي برَبْعٍ مذاريب»

تبدو قصائد الشاعر الكبير والمنسيّ: «محمد بن خليفة بن ثايب الرميثي»، وكأنها كنوز مهجورة في ذاكرة الرواة الذين قضوا، ولم يتبق من هذه الكنوز سوى البريق الخافت، والالتماع المتقطّع، والومضة الغاربة، بقت القصائد القليلة «لابن ثايب» كي تنازع الأفول، وتقهر الغياب والعتمة الموحشة فيها وحولها، ولتقول لنا إنها ما زالت صامدة، وما زالت تبوح بالكثير من الحكم البليغة، والأوصاف البديعة، والتراكيب المبهرة، وفي القصيدة أعلاه للشاعر الذي يمكننا نعته بشاعر الماء، ذلك أنه عاش في نهايات القرن التاسع عشر بين سواحل وجزر أبوظبي، وجارى بقصائده انسيابية المياه المتهادية على ضفاف السواحل، كما أن عمق قصائده هي نتاج ملموس وترجمة حسّية لمهنته المرتبطة روحياً وجسدياً بالبحر، وهي مهنة الغوص، حيث تتقاطع مغامرة البحث عن اللؤلؤ في القيعان السحيقة، مع مغامرة تقصّي الدرر الدفينة في خبايا الشعر ووسط أغواره ومساربه وثناياه.
تحمل القصيدة الواردة أعلاه عنواناً يشعّ بالقيمة الاعتبارية للوصف، وهو عنوان: «قالب الحيب» فـ «الحيب» في اللهجة المحليّة تعني: لبّ شجرة النخل، وبياض «الحيب» مقارب لبياض حبّات اللؤلؤ، كما أنه الوصف الأقرب لدى الشاعر لمحبوبه المكتنز بلونه الجذّاب، وهيئته الساحرة، وقوامه الرشيق.
يبدأ ابن ثايب قصيدته بالإحالة المباشرة لقلبه، ولأكثر أعضائه ارتباطاً بالهوى وبلواعجه وأشجانه، مشبّهاً إياه بالقفل الذي لا يفكّ مغاليقه سوى مفتاح المحبّة، لأنها الأداة الوحيدة القادرة على اكتشاف أسراره، واستجلاء ما فيها من وجدٍ وإضمارٍ وممانعة - (قلبي كما قفلٍ تولّاه مفتاح/ وبكيف فرّاته جرى باللواليب) - أي أن المفتاح رام على اقتحام قلبه، واستطاع من خلال حركته المتناوبة في مسارات القلب المغلقة، أن يحلّ معضلة الكتمان، وأن يميط عن الفؤاد لثامه الداكن والسميك، ليوضح لنا في البيت الثاني من القصيدة مدى المعاناة التي واجهها الآخرون، وخصوصاً العذّال والأعداء عند رغبتهم في اكتشاف نوايا قلبه، وخصوصية حياته، ومكامن ضعفه، مشبهاً قلبه بالمادة الصلبة جداً وغير القابلة للكسر أو الذوبان، وذلك عند مواجهة الخصوم فقط، أما مع المحبوب، فالأمر مختلف تماماً، حيث تتغير المقاييس وتختلف الرؤى، فيتداعى الثابت، ويسيل الجامد، ويسهل الصعب، ويخرّ الركن العالي والمهيب - (مشكان ما ينذاب لو نحت يا صاح/ يفرح عدوّك وإن بِلَتْكْ المصاويب)، فالمشكان هو الشيء المصمت والثقيل، الملتحمة أجزاؤه ببعضها، فيصعب بذلك فصله أو تمزيقه، ويقال شكّ البعير، إذا التصق عضده بجنبه، كناية عن قوة التلاحم، وشدّة التداخل والاشتباك.
ونرى في البيت الثالث، قدرة الشاعر اللافتة على ترويض خياله الجامح، وتأهيله وتوظيفه لخدمة الغرض الشعري، وتطريز الأبيات بما يناسب رقّة المفردة الغزلية، ورهافة الكلمات المعبّرة عن قيمة المحبوب، والمُجسّدة لجماله الخارجي، حيث يقول «ابن ثايب»: «لي صاحبٍ خدّه كما البرق لي لاح/ وإن نشّ عريان كما قالب الحيب» جامعاً في هذا الوصف البديع بين الجزء والكلّ، وبين اللمح المؤقت والعابر والكيان الدائم والشامل، فهو يركّز في الشطر الأول من القصيدة على خدّ المحبوب، ويضاهيه بالبرق عندما يلوح ليلاً في كبد السحاب، فيخطف الأبصار، ويسلب القلوب، أما عندما يصف قوام المحبوب ولونه وطلّته، فهو يسلك مذهباً يتّسم بالتشخيص الفخم والطاغي، ليستخلص لبّ المعنى وجوهره، فالحيب هو المحتوى العزيز والثمين المحميّ في جسد النخلة، لذلك فإن قيمته غالية، والوصول إليه دونه الكثير من الجهد والتعب والحفر والتنقيب، يهفو الإنسان لاقتنائه من فرط بياضه وحلاوته، وأتى التشبيه هنا تامّاً ومكتملاً، وليؤكد لنا أن ابن ثايب الرميثي شاعر يستحق الكثير من الاهتمام البحثي، والقراءة التحليلية الدقيقة لجماليات شعره، وقوة وصفه، ومزايا وأبعاد أغراضه وأساليبه، ومقارنتها بالزمن الذي عاشه، والخبرات التي اختزنها كي ينتج لنا هذا الميراث الإبداعي الباهر رغم ندرته، وقلة ما وصل لنا من بحره الغزير والشاسع والعميق.
وهنا بعض الأبيات المكمّلة لهذا العقد الفريد:
«لوّل أنا فارس مدرّع ونطّاح/ واليوم له ذلّيت ذلّ المصاعيب
قلبي من الحقران في الكور ينماح/ متمزّعٍ شروات يفل الدواليب
عزّيل من شرواي صوّب بالارماح/ ويلاعي الورقا بروس المشاريب
من بو ثنايا يشبهن يك لنْصاح/ والنهد شبّهته ع بيض الرعابيب»

راشد أحمد المزروعي: ينتمي إلى قبيلة «آل بوفلاسا» 
في دراسة له عن الشاعر ابن ثايب يذكر الدكتور راشد أحمد المزروعي أنه ينتمي في الأساس إلى قبيلة «آل بوفلاسا» الكرام، الذين كانوا يعيشون في جزر أبوظبي ويتنقّلون بينها، وذلك خلال نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، وأنه ينتسب لفرع «الرواشد» أحد أبرز أفخاذ قبيلة البوفلاسا، وعن سبب نعتهم بالرميثي، يشير ابن الشاعر وهو سالم بن خليفة بن ثايب، إنهم كانوا يعيشون بتناغم وانسجام مع «الرميثات» وذابت الفوارق بينهم بعد أن صاروا أنساباً وإخواناً وجيراناً، فحملوا لقب «الرميثي» عند تسجيل الجنسيات في فترة قيام دولة الاتحاد.
وعن مهنته وسيرته الحياتية، يذكر المزروعي أنه كعادة جميع أبناء الجزر والسواحل، عمل الشاعر محمد بن خليفة بن ثايب في البحر طوال حياته، فقد كان يعمل في الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في مواسمه المعروفة، أما بقية أيام السنة فكان يعمل صيّاداً للأسماك، يرتزق ويعيش مع أبنائه وعائلته، ويوضّح الراوي: «خميس بن راشد بن زعل الرميثي» الذي عاصر شاعرنا، أنه كان ينصب «الألياخ» أو شباك الصيد مع ابن ثايب في جزيرة «مروّح»، وكعادة أهل جزر أبوظبي فهم يقضون الشتاء في جزرهم، وفي موسم الصيف يذهبون إلى الساحل في طريق «المقيظ» إلى العين أو محاضر ليوا، نظراً لتمتع هذه المناطق والمحاضر بالأجواء اللطيفة، والمزارع والبساتين الخصبة، والمياه الوفيرة.

 تفاعل بين ابن ثايب وحمزة العامري
تفاعل الشاعر ابن ثايب مع قصيدة نادرة ومشهورة للشاعر أبو حمزة العامري، وهو شاعر بدوي قديم، عاش في القرن السادس عشر ميلادي، ويصفه الباحث الكويتي يحيى الربيعان بأنه أقدم من وصل إلينا شعره النبطي في الجزيرة العربية، وأول من سمّي شعره بـ «النبطي»، وهو ينسب لقبيلة سبيع العامرية الذين عاشوا بين الأراضي العمانية والإماراتية، كما يذكر بعض الرواة أنه عاش في البحرين أيام الدولة «العيونية»، ويشير الدكتور راشد المزروعي أن قصيدة «أبو حمزة العامري» وردت في كتاب «أعذب الألفاظ من ذاكرة الحفّاظ» للباحث الدكتور حمّاد الخاطري، ويضيف المزروعي أنه نقل قصيدة العامري مباشرة من سالم ابن الشاعر ابن ثايب، وكذلك مجاراة والده لها، موضحاً أنها قصيدة طويلة، إلا أن بعض الأبيات التي رواها الابن سالم بن ثايب أقل من القصيدة الأصلية التي ذكرها حمّاد الخاطري، كما توجد أبيات فيها لم يذكرها الخاطري في القصيدة التي أثبتها في كتابه.
وهنا مقاطع من قصيدة أبو حمزة العامري التي يذكرها المزروعي في دراسته، ومجاراة ابن ثابت لها، يقول العامري في مطالع قصيدته الشهيرة:
«يقول بو حمزة وهيّض ما به/ حلاوة الدنيا ثلاث أشيايا
أولهن بتلجيم الحصان لجامه/ لي عدت عجل وشايف قومايا
والثانية بترحيب القبايل لي لفوا/ لي عاد روس ارقابها الجيسايا
والثالثة جرّ الهَنوف بردنها/ في ليلٍ أظلم يرهب الذلّايا»
وفي مجاراته للعامري يقول ابن ثايب في مطالع قصيدته:
«الراشدي سمعوا بجيلٍ أفضى به/ ماخذ مثل فاهمين الحكايا
إن قال بوحمزة اوابيه مولع/ وانقى من الأجناس غالي الشرايا
منباتنا شروات منبات غيرنا/ وهدب البريسم صار لهج السدايا
والفقر لوكود نادرٍ/ لا تنقل الهزلي لبعد المدايا»

رجولة وشجاعة
يصف معاصرو ابن ثايب أنه كان شاعراً قوياً وله قصائد معروفة، ويعدّ من خيرة الناس وأفضلهم خلقاً وكرماً ورجولة وشجاعة، وعمل بالغوص مدة طويلة، وكان «غيصاً» ماهراً، وأن أغلب شعره طواه النسيان، فلم يحفظه أحد أو يهتم به، لأن الناس لم يكونوا يهتمون كثيراً بالشعر والقصيد، وكان سبب بقاء القليل من قصائده هو تمتعها بالحكمة وبالأبيات الغزلية المحبّبة، ولاحتوائها، كذلك على العِبَر والمواقف المؤثّرة وتجارب الحياة، ما جعلها قصائد حيّة ومتداولة بين الرواة، وظلّ ميراثه الشعري القليل هذا نابضاً ومدهشاً وملهماً للشعراء الذين أتوا بعده، خصوصاً وأنه شعر فائض بالتأملات الذاتية وبسحر الجزر وبالأسفار البحرية وما يرافقها من معالم آسرة، وصور خلّابة، ومشاهد ما زالت تنحت حضورها في الذاكرة.

جزيرة الشِّعر
ولد الشاعر محمد بن خليفة بن ثايب الرميثي في إحدى المناطق البحرية التابعة لأبوظبي ويطلق عليها «الجزيرة» القريبة من جزيرة «أبو الأبيض»، وعاش وترعرع بين جزر أبوظبي الأخرى مثل «مروّح» و«الغبّة» و«صلاحة» و«الفيي» وغيرها، وتوفي - رحمه الله - عام 1926م تقريباً، ولعل مرجعية الجزر هذه كان لها دور مؤثر في صياغة مناخاته الشعرية المتألقة، وفي توفرها على لغة رشيقة وسيّالة ومتدفقة، تتجلّى فيها المعاني الجذلى، وتتماوج في أعطافها الرؤى والأشواق والتصاوير، وكأنها مرايا الروح، وإشراقات البصيرة، وانعكاسات النظر.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©