الثلاثاء 23 ابريل 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

خلود البوعينين.. على خطى «دانتي أليغيري»

خلود البوعينين.. على خطى «دانتي أليغيري»
1 يونيو 2023 01:18

عادل العناز

عن دار «التفرّد» بدبي، أصدرت المبدعة الإماراتيّة خلود البوعينين بحرَ سنة 2022 عملَها الروائي الثاني: «في ظلمة المارد»، في ما يزيد على ثلاثمائة صفحة، انقسمت -في مجملها- إلى اثنين وعشرين فصلاً رسمت من خلالها الروائية عوالمَ ميتافيزيقية مليئة بالغرابة والرهبة. 
ويبدو أن أهمية هذا العمل، تتأتى من طبيعة تفاعله مع موضوع لطالما شكّل هاجساً نفسياً بالنسبية للعديد من الأشخاص... كما مثّل أفقاً تخييلياً لمجموعة من الثقافات القديمة التي تشاغلت به في مصنفاتها اللاهوتية أو الفلكلورية أو الأسطورية، أقصد موضوع «الجن والمرَدَة»، الذي نعيشه -نحن العرب- بخلفيات وهواجس متنوعة، تنشطر تارة إلى المرجعية الدينية، وتارةً أخرى إلى ما توافر في المحكي الشعبي العربي والإنساني.
التخييل المقنع
ولعل الأسئلة التي يمكن أن تمهّد لنا مسالك اكتشاف هذه الرواية العجائبية يمكن سوقها في الآتي: ما العوالم التي استلهمتها الروائية خلود البوعينين في هذه التجربة؟ وكيف كانت طبيعة الشخوص التي جسدت أحداث الرواية؟ وأين تتعين قيمة هذا النص مقابل ما هو سائد في التجارب الروائية الأخرى؟ وإلى أي حدّ نجحت الروائية في التخييل المقنع للمخلوقات الشفافة؟
بدايةً، لابد أن نشير إلى مسألة مهمة، ألا وهي أن تكثيف أحداث الرواية في خلاصة جامعة مانعة يعد أمراً من الصعوبة بمكان، نظراً لما تضمه من فصول شائقة، انفرد كل منها بأهمية جمالية خاصة، وقوة تأثيرية معقدة، مما يستحيل معه تفكيك هذه الفصول أو التجنّي عليها في حبكة مركّزة. ولكننا في مقابل ذلك ملزمون بشرف المحاولة والاجتهاد، حيث يمكننا القول إن رواية «في ظلمة المارد» تدور حول حكاية «أمٍّ» جميلة ومخلصة تدعوها الظروف الاجتماعية -عن جهل وتهوّر- إلى اتباع سبل المشعوذين والسحرة، إذ ستتخذ منهم، ومن ألاعيبهم القذرة، ملجأ لتعزية نفسها بأوهام منحطة بعد صدمة فقدان زوجها في عرض البحر، وذلك حينما تأهبت وتزيّنت -رفقة صغارها- لملاقاة زوجها العائد من رحلة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، لتعرف -في النهاية- أنه «لن يعود، وأن حياتها ستنقلب رأساً على عقب، وأن من كان سنداً لها وقرة عينها وحبيبها قد فُقد...» (ص:14)، وفَقدتْ معه الأسرةُ استقرارها بغياب ابنها «عبيد»... وشلَّ ماردٌ عصيٌّ ابنَتَها «قماشة» إبان تنظيف غرفتها من بقايا المشعوذين.. إلخ.
أساليب التسريد
وليس حدث الأم هذا سوى توطئة للحدث الأهم الذي يتمثل في إنقاذ ابنتها «فاطمة» من طرف الجنيّ «سيّد»، لتعيش رفقة هذا المارد إحدى أشد العلاقات غرابة، التي ما فتئت الروائية خلود البوعينين تترجمها في مواقف عجائبية بين الجن والإنس... وأقل ما يقال عنها إنها مغامرات شيقة لا تخطر ببال، ذلك أنها لم تقتفِ -في أساليب تسريدها- ما هو متداول في واقعنا المعيش بطرائق تخييلية، وإنما -على العكس من ذلك- اقتفت أثر ما هو متخيل كحقائق راسخة في تراثنا الشعبي عن حيوات الجن، مجسدةً إياها في حبكة مليئة بالإثارة والترقب اللذين يفرضان -منذ البداية- إيقاعَهما على المتلقي، بل يجذبانه -أشد ما يكون الجذب- إلى اكتشاف ميتافيزيقا المخلوقات الشفافة، والاطلاع على أهوائها الغريبة، لأن فرضيات القراءة ومجمل تكهناتها القبْلية -حتماً- ستتكسر على تلك النهايات غير المنتظرة... ليظل السؤال الإشكالي الذي تسوقه الساردة على لسان «فاطمة»: «لمَ أنقذني ذلك الجنيّ...؟ [...] ولمَ يلاحقني...» (ص:27 بتصرف).
الزمن البرزخي
ففي كنف هذا السؤال، ستنكتب حبكة الرواية من أحداث لا يمكن الاستباق الحاسم إلى مآلاتها، أو استشراف طبيعة شخوصها، أو توقّع أزمنتها التي تزاوج بين الزمن البرزخي الذي يخص هذه المخلوقات والزمن الواقعي الذي نعيشه، مما يصعّب مهمة اتخاذ موقف نهائي أمام المواقف السلبية أو الإيجابية التي تصدر عن هذه المخلوقات الهوائية... وفي هذا الضرب، يمكننا، تمثيلاً لا حصراً، الاستشهاد بما رافق شخصية «قماشة» أخت «فاطمة» من معاناة جراء المارد العنيد الذي تلبّسها، فأرهق جسدها، وأضنى روحها، تقول الساردة: «صرخت قماشة بصوت شيطاني هز جدران حجرتها، وأخذت تضرب كفوفها على وجهها بشكل هستيري. وأدركت وقتها بأن الشيطان الذي يسكن جسدها قد كشف عن نفسه أخيراً...» (ص:41).
تنميط الصورة
والساردة لم تقتصر على تنميط صورة الجن في موقف واحد، بقدر ما استندت إلى موقفين متعارضين يرسمان جدلية الخير والشر داخل عوالم الجن والشياطين.
ووقوفاً عند أهم المميزات الفنية التي تضفي قوة على هذا العمل، يمكننا القول إن جنوح الروائية إلى تنويع الأحداث هو من بين الخصائص الفنية التي ساعدتها على جعل الرواية مليئة بالأحاسيس المتقلبة، مما أسعفها في تجنيب فعل القراءة عوارضَ الملل أو الضجر، إذ ما انفكت تنتقل بين الموضوعات بخفة ويُسر يؤكدان وعيها العميق بضرورة تنويع مشارب موضوعها العام، فعلى سبيل الذكر لا القطع، يجوز استحضار كيف انتقلت الساردة من العاطفي إلى الروحاني بمرونة ودهاء، فمن وصف أم «فاطمة» بأن: «رشاقة جسدها وطولها الجذاب وبياض بشرتها وكثافة رموشها وبحّة صوتها كانت تكفي لتوقع أكبر رجال القرية شأناً في شباك حبها، وكان ذلك يغيظ نساء قريتنا» (ص:13)، إلى تمثيل الحكم الروحانية التي انفردت بها شخصية «أم محسن المطوعة» حين جعلتها الساردة تنقاد إلى فوانيس التطوع وخدمة الآخرين لتؤدي على لسانها حكماً جليلة مفادها أنه «عندما يرزق الله الإنسان بصيرة القلب ويسخره لخدمة العباد، يمنُّ عليه باستشعار ما حوله» (ص:25).
العتمات السحيقة
وأخيراً، يمكن القول إن رواية «في ظلمة المارد»، تحذو حذو الأديب الإيطالي العالمي «دانتي أليغيري» حين توغل إبداعياً في تخييل الجحيم والنعيم، حتى أضحت ملحمته الإبداعية «الكوميديا الإلهية» نصاً مرجعياً عالمياً. 
وغير بعيد عن هذا المنوال، استطاعت المبدعة الإماراتية خلود البوعينين أن تقرّب تخييلياً، تلك العوالم العدمية للمخلوقات الهوائية، أو بعبارة أخرى تلك المخلوقات التي لا نعرف عنها سوى القليل من الأفكار التي ترتبط -عادة- بالسرديات الأدبية. ولئن دلّ هذا المعطى على شيء، فإنما يدلّ على صعوبة التعامل مع هذه الموضوعات أدبياً وروائياً، من حيث كونها موضوعات يأتيها المبدعون صفحة بيضاء، ليكشفوا ببياض مخيلتهم عن تلكَ العتمات السحيقة. بيد أن هذه التحديات، لم تُثْنِ الروائية خلود البوعينين على رغم نعومة تجربتها، عن خوض غمار التحدي، واختيار الطريق الأصعب، لتُسلّط -في الأخير- من أنوار مخيلتها الغنية والواعدة، أضواءً أنهت «ظلمة المارد» في قالب حكائي، زاوج -بنحو إبداعي ملهم- بين قوى الخير والشرّ، بين السلوك السامي والمنحط.
تطويع الذاكرة
وإلى جانب ما سبق، استطاعت الروائية باقتدار كبير تطويع الذاكرة الثقافية المحلية أو العربية، واستلهامهما في قارب «النوخذة منصور ووايد» أو تقاليد استقبال الزوجات للأزواج بعد العودة من الغوص... أو استثمار مكونات من السرديات العربية الكلاسيكية كقصة «المارد المحبوس في الفانوس...» (287). أما بخصوص الحكايات الشعبية الرائجة حول هذه القوى الروحانية، فقد لاحظنا وجودَ تقاطع كبير بين المحكي العربي المشرقي والمغربي، وبخاصة على مستوى تداول قصص زواج الجنّ من الإنسان، أو استعمار مارد أو ماردة لجسد إنساني بطريقة خيّرة أو بشعة، إذ تظل جدلية الخير والشر أبرز ما يميز هذه المحكيات، ولعل ذلك ما أكده الباحث السوسيولوجي إدموند دوتي (Edmond Doutté) في كتابه «السحر والدين في شمال أفريقيا»، حينما ذهب في معرض دراسته لقضايا «السحر والدين» إلى أن القوى الخارقة التي يتميز بها الجن المسخَّر من السحرة أو أي قوى غيبية... «تكون تارة خيّرة، وتارة شريرة تثير الرهبة والخوف» (ص:227).

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©