دخلت لتويتر من بعد تردد طال، واشتد عليّ، مقاوماً للفكرة ثم متخوفاً من الفكرة، وكان أكبر همي هو تفتيت وقتي الذي تعودت تخصيصه كلياً لمكتبتي وبحوثي، وفي مكتبتي كانت متعتي ورياضتي النفسية والعقلية، وصعب عليَّ أن أفقد متعتي التي صبغت حياتي كلها منذ مطالع حياتي، وعبر مراحل عمري كلها، وكانت مكتبتي بالنسبة لي تشبه البحر للسمكة، حيث تموت بمجرد خروجها من الماء، تلك كانت حيرتي وترددي. ولكني قررت خوض التجربة وخففت على نفسي اقتراف هذا الإثم المعنوي بأن وعدت نفسي أن أجعل مكثي في تويتر بنية البحث في خطاب هذه الوسيلة العجيبة، وقد نتج عن ذلك كتابان هما (ثقافة تويتر) وكتاب (ما بعد الصحوة)، وكان الأخير نتيجة سؤالٍ من عادل الهذلول عن تجربتي مع جيل الصحوة، وكوني أحد من اكتوى بنيران تلك المرحلة، فرددت عليه ببضع تغريدات، وأحسست بأن ذلك لم يفِ شهية البحث، فوعدته ببضع توريقات.
وحين شرعت بنشر التوريقات في جريدة الجزيرة السعودية، أخذ الموضوع يتمدد ويتفتح وتحول لمشروع كتاب صدر بعنوان (ما بعد الصحوة، تحولات الخطاب من التفرد إلى التعدد)، والتعدد في الخطابات هو ما تؤكده الحال التفاعلية في تويتر، الذي أصبح متعدد المنابر من بعد فترة سيطر فيها الصحويون على منابر التواصل الاجتماعي، من منابر الجمعة إلى شريط الكاسيت، الذي اكتسح فضاء الاستقبال في زمن عز الصحوة فترة الثمانينات والتسعينات إلى مطالع القرن الحالي، ولكن تويتر فتحت فرص تعدد الأصوات والتقاطعات، ولم يعُد بمقدور خطابٍ مفرد أن يحتكر فضاء التفاعل. هذا فيما يخصّ علاقتي مع تويتر، من حيث إنها أصبحت بالنسبة لي ميداناً بحثياً كاشفاً ومكشوفاً، ووصفت تويتر في ذلك الكتاب بصفة (الكاشفة المكشوفة)، ومع الكشف والتكشف كانت تجارب وامتحانات للنفس ومدى قوة التحمل العقلي والوجداني تجاه ما يعنّ في المنصة من تحديات لحظوية بعضها مستفز وبعضها متحامل وبعضها كاذب، وفي مقابل ذلك سنجد أجواء ماتعة مع متابعين ومتابعات من كل أرجاء المعمورة، تعرفت على أعداد منهم وتسنى لي توصيل أفكاري وكتبي كذلك، كما تعرفت على ردود فعلهم مع توريقاتي إضافة إلى ترويج كتبي الجديدة وتوسيع دوائر استقبال موقعي، الذي يضم كتبي في نسخ رقمية جعلتها مجانية وقانونية للتحميل، مما سهّل الوصول إليها والإفادة منها، وهذا وحده مكسب عظيم كقيمة علمية وأخلاقية، وقلت عن ذلك إني أؤمن باشتراكية المعرفة وليس برأسماليتها.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض