تشهد الرعاية الصحية موجة متسارعة من الابتكارات التي تشمل الذكاء الاصطناعي، والأجهزة الذكية، والبرمجيات المتقدمة، إلى جانب الصور الطبية والأطر التنظيمية. هذا التطور المتعدد الأوجه يتطلب تنسيقًا دقيقا بين مختلف العناصر لضمان التكامل والكفاءة.
ويبرز الذكاء الاصطناعي التوليدي «GenAI» كأحد أبرز أدوات التغيير في القطاع، لما يمتلكه من قدرة على إحداث تحولات جذرية في بنية برامج التكنولوجيا الطبية. وقد بدأت المؤسسات بالفعل في تطبيقه ضمن مجالات حيوية مثل البحث والتطوير، والعمليات التجارية، وإدارة سلاسل التوريد، ما يشير إلى انتقال الذكاء الاصطناعي من نطاق الدعم التقني إلى موقع القيادة في عملية الابتكار الطبي.
لم تعد النماذج التقليدية للمواعيد الطبية، كالمعاملات الورقية أو الزيارات المباشرة، قادرة على مواكبة وتيرة التطور المتسارع في قطاع الرعاية الصحية المعتمد على البيانات. وفي ظل هذا التحول، يتجه كل من مقدمي الخدمات الصحية والمرضى نحو حلول رقمية أكثر كفاءة وسرعة، تتيح الوصول إلى المعلومات ومشاركتها بسهولة، بما ينسجم مع متطلبات الطب الحديث ومعاييره المتجددة.
طالع أيضا.. الذكاء الاصطناعي يتميز في مجال التشخيص الطبي
تعزيز مكاسب شركات التكنولوجيا الطبية
تشير تقارير صادرة عن شركة «ماكنزي» إلى أن شركات التكنولوجيا الطبية «MedTech» تتصدر مشهد الابتكار في قطاع الرعاية الصحية، مع توقعات بتحقيق مكاسب إنتاجية تتراوح بين 14 و55 مليار دولار سنويا. ويتوقع أن يسهم تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعزيز هذه العوائد، مضيفا أكثر من 50 مليار دولار من الإيرادات الجديدة الناتجة عن تطوير منتجات وخدمات طبية مبتكرة.
وقد أظهر استبيان أجرته ماكنزي عام 2024 أن نحو ثلثي مديري شركات التكنولوجيا الطبية قد بدأوا بالفعل في تنفيذ الذكاء الاصطناعي التوليدي، في حين أن حوالي 20% منهم قاموا بتوسيع نطاق تطبيقاتهم وأبلغوا عن مكاسب كبيرة في الإنتاجية.
ومع أن تطبيق التكنولوجيا المتقدمة يتسارع في قطاع الرعاية الصحية، لا تزال هناك تحديات قائمة. أبرزها مشكلات تكامل البيانات، والاستراتيجيات اللامركزية، والفجوات في المهارات. وتُبرز هذه العقبات الحاجة إلى نهج أكثر تنظيمًا وفعالية في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويعد البحث والتطوير «R&D» من أكثر مجالات التكنولوجيا الطبية تقدما في تبني هذه التقنيات. ففرق البحث، التي غالبا ما تكون الأكثر مرونة في التعامل مع التقنيات الحديثة، تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتبسيط المهام، مثل تلخيص الأوراق البحثية والمقالات العلمية، في توجه يُشير إلى تبنٍ قاعدي تقوده المبادرات الفردية من الباحثين، حتى في غياب استراتيجيات مؤسسية شاملة.
ومع أن أدوات الذكاء الاصطناعي تسرّع وتبسط المهام البحثية، فإن مراجعة الإنسان لا تزال ضرورية لضمان الدقة والجودة في النتائج النهائية. وقد أثبتت هذه الأدوات قدرتها على تقليل الوقت المستغرق في المهام الإدارية وتحسين جودة ودقة الأبحاث، إذ شهدت بعض الشركات زيادات تتراوح بين 20% إلى 30% في إنتاجية البحث.
قد يهمك أيضا.. نموذج ذكاء اصطناعي يعزز دقة تشخيص سرطان الغدة الدرقية
قياس الأداء في الرعاية الصحية.. مفتاح الجودة والكفاءة
في قطاع الرعاية الصحية، لم يعد قياس الأداء التجاري ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان تقديم رعاية عالية الجودة دون المساس بكفاءة العمليات.
وتُعد مؤشرات الأداء الرئيسية «KPIs» أداة محورية في هذا السياق، إذ تتيح لمقدّمي الرعاية الصحية تحليل النتائج استنادًا إلى بيانات واقعية، ما يُسهم في تحسين جودة الخدمات وتوزيع الموارد بشكل أكثر فاعلية، إلى جانب ترسيخ ثقافة التحسين المستمر على مختلف المستويات.
وعند الحديث عن برامج المنتجات الصحية، يتصدر تطوير المنتجات الطبية وتحسينها الأولويات. لكن النجاح في هذا المجال لا يتحقق إلا عبر تنسيق دقيق بين الفرق السريرية، والتقنية، والتنظيمية، والتجارية. فالعنصر الحاسم هنا هو السرعة في الوصول إلى السوق «Time to Market»، لتقليل الفجوة الزمنية بين الفكرة وإطلاق المنتج.
كما تبرز أهمية التوثيق والتوسيم «Labelling» كجزء لا يتجزأ من دورة تطوير المنتج. وتشير تقارير «ماكنزي» إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في هذه المرحلة قد رفع كفاءة التشغيل بنسبة تراوحت بين 20% و30%. إلى جانب ذلك، تُعد معدلات استخدام الموارد، كالوقت، والميزانية، وحجم الفريق، من المؤشرات الجوهرية لتقييم فعالية عملية التطوير بأكملها.
وفي السياق نفسه، يجب أن تركز مؤشرات الأداء في القطاع الصحي على عوامل متعددة تشمل الكفاءة التشغيلية، نتائج المرضى، الاستقرار المالي للمؤسسة، ورضا المرضى. وللحصول على رؤية شاملة للأداء، يمكن تصنيف هذه المؤشرات إلى: مالية، تشغيلية، جودة سريرية، وتجربة المريض.
محتوى مشابه.. الذكاء الاصطناعي يعزز دقة التنبؤ بهياكل الأجسام المضادة
تجربة المستخدم والابتكار في التكنولوجيا الطبية
لم يعد معيار الابتكار مقتصرا على الأداء التقني فقط، بل أصبحت تجربة المستخدم «UX» بنفس القدر من الأهمية.
تُكرّم جوائز «UX Design Awards» الابتكارات الحديثة في الرعاية الصحية التي تحقق التوازن بين سهولة الاستخدام والدقة التقنية، مع التركيز على تلبية احتياجات المرضى ومقدمي الرعاية، مع الالتزام الصارم بالمعايير السريرية والتنظيمية.
من بين أبرز هذه الابتكارات، نظام «CIARTIC Move» من شركة «Siemens Healthineers»، وهو جهاز تصوير ثلاثي الأبعاد ذاتي القيادة يتيح للجراحين التحكم به لاسلكيًا ضمن بيئة معقمة.
أما شركة «ASUS» فقد حصلت على جوائز عن تطبيقها «HealthConnect» وساعة «VivoWatch»، اللذين يجمعان بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وواجهات استخدام سهلة، حتى في أجهزة تعتبر استهلاكية. هذا يبرز كيف أصبحت التكنولوجيا الطبية أكثر سهولة وملاءمة للمستخدم، بالتزامن مع زيادة وعي المرضى بالتقنيات الحديثة.
تعرف على.. الذكاء الاصطناعي يتنبأ بسكر الدم!
التنقل المتزامن بين التنظيم وتطوير المنتجات
يعد ترسيخ المسارات السريرية والتنظيمية بات ضرورة لا غنى عنها لفرق الرعاية الصحية، إذ يتيح لهم الاستفادة من نتائج هذه المسارات في تطوير المنتجات بفعالية أكبر. ومع تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت عمليات إنتاج الوثائق المعقدة وتحليل البيانات المتنوعة، سواء كانت منظمة أو غير منظمة، أكثر أتمتة وسلاسة.
عبر دمج المتطلبات التنظيمية منذ المراحل الأولى للتطوير، واعتماد الذكاء الاصطناعي ضمن منهجيات العمل الرشيقة «Agile»، تمكن لبرامج المنتجات الصحية التعامل بمرونة مع بيئة تنظيمية متغيرة باستمرار. كما أن ترسيخ ثقافة الامتثال منذ البداية داخل الفرق يُعد مفتاحًا لضمان استدامة الابتكار ضمن الإطارات القانونية والتنظيمية.
الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا الطبية لم يعد مجرد أداة، بل أصبح محركًا استراتيجيًا لتغيير قواعد اللعبة. ومع تحقيق قفزات كبيرة في الإنتاجية وتحسين جودة الرعاية، تظل التحديات قائمة، لكنها ليست مستعصية. تكمن الفرصة في التنسيق بين الجانب التقني والبشري والتنظيمي، وقيادة القطاع الطبي نحو مستقبل أكثر ذكاءً، وكفاءة، وتركيزًا على الإنسان.
أسامة عثمان (أبوظبي)