الأربعاء 22 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الذكاء الاصطناعي

د. عبدالله الغذامي يكتب: الذكاء الاصطناعي.. العقلانية الجديدة

د. عبدالله الغذامي
28 يونيو 2025 01:02

الذكاء الاصطناعي يمثل تغيراً ثقافياً نوعياً يمس معنى الوظيفة بوصف الوظيفة قيمة معنوية وقيمة مادية، ولم يعد أحدٌ في هذا الزمن يعيش خارج شرط الوظيفة وقيمة الإنسان هي وظيفته، ومن دون ذلك يصبح عاطلاً بمعنى غير النافع أو فاقد القيمة، وقديماً حدث تغيرٌ نوعيٌ ضخم حين تطورت الأداة الزراعية، وتغيرت معها أنظمة الفلاحة وهي قد كانت مصدر عيش ومعاش جوهري للبشر، وحين اخترعت الآلات الزراعية، كالحراثة والذراية والحصادة فقد خرجت معها وبسببها اليد العاملة في الفلاحة، ودخلت في حال البطالة باختفاء الحاجة لليد العاملة، ولكن البشرية عرفت كيف تحتال لنفسها، حيث تحوّلت المهنة من فلاحة الأرض إلى صناعة الآلات، تلك الآلات التي سرقت المهنة من الرجال والنساء، ووضعت الجميع على رصيف الانتظار والعطالة، ومن ثم تحوّل العاطلون زراعياً إلى موظفين وعمال ٍ في المصانع ليصنعوا الحصادة والذراية التي كانت قد أخرجتهم من العمل، وهذا تحولٌ ذكيٌ يعدل حال الظرف من ظرف ضارٍّ إلى ظرف نافع، والحال نفسها تتكرر اليوم من التبدل الوظيفي النوعي مع الذكاء الاصطناعي وتدخله في لقمة عيش قطاعات عريضة من البشر من حيث إزاحتهم عن سوق العمل كما أزاحت الحراثة عمال الزراعة من قبل في زمن أصبح بعيداً جداً، ولكنه يتكرر اليوم ليعيد لعبة العقل البشري في مواجهة العقل الاصطناعي، ويظل الذكاء الطبيعي هو المنتصر دوماً، لأنه أولاً هو من اخترع الذكاء الاصطناعي متوسماً نموذج الذكاء نفسه ليفعل ما يفعله البشر عبر ذكائهم، ولكن بطريقة أسرع وأدق وأنظف وأكثر جدوى وقيمةً ماديةً، ولكن هذا التحول من نظام ذهني وبدني للعمل إلى نظام آخر آصبح ينتج مواد الذكاء الاصطناعي ويشغله ويديره ويساعد في تتميم نواقصه، وتحصين مردوده، والحفاظ على أنظمته الأخلاقية والقيمية، ما يعني أن الإنسان كلما جنى على نفسه راح ليحتال لها ويعيد ترتيب تصوراته ونظم تفكيره ومجالات عمله، بما يضمن له الحصانة والضمانة من العطالة، وفقدان القيمة المعنوية والمادية لوجوده ومعنى وجوده.
على أن كل ما يعمله الإنسان بقوته المادية يمكن أن تعمله الأجهزة بأقوى منه، والتلسكوب مثال كاشف لما بين العين المجردة والآلة. أما مهارات الإنسان العقلية فلن تنافسها أية آلة مهما كانت، وكل تنافس سينتهي بالضرورة لمصلحة الإنسان الذي له من الحيلة والمناورة قدرات لا تتكشف إلا عند التحدي، والتحدي الوجودي خاصةً. ولذا فالعقل الاصطناعي مهما تمرد وطغى، فسيظل الإنسان أشد مكراً وطغياناً.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©