الإثنين 27 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: الجماهير والظرف

د. عبدالله الغذامي
4 أكتوبر 2025 00:52

هناك سؤالٌ مستمر حول اكتساح فضاءات الاستقبال مع نصوص لا تكون مقنعةً لنا، وهذه مسألةٌ تشغل أهل التخصصات النقدية كما تزعج من يرون أنفسهم أهل غيرة على الفن الرفيع، وهي قضيةٌ متشابكة تخلط مصطلح الفن الرفيع مع الذائقة الخاصة للقائل نفسه، فكل ما يلائم ذائقته فهو رفيعٌ وما يخالفها وضيع، وسيصف المقبلين عليها بالتفاهة وتأتي مقولة (كل جماهيري تافة). وهنا نأتي لفك ارتباكات النظر بين ما هو ظرفي وما هو نصوصي، أي بين القيم التي في النص الذي شاع وحال الظرف، الذي قد يشيع نصاً ويكتم آخر، فالمتنبي وشكسبير مثلاً عاندتهما الظروف في زمنهما ثم دخلا الدهر متجاوزين كل التحديات ودخلا في ذاكرة جماهيرية كاسحة، وهذا ما لمسه المتنبي ببيته
أريد من زمني ذا أن يبلغني/ ما ليس يبلغهُ من نفسه الزمن
وهو ما تحقق له حيث أصبح أبرز شاعرٍ عربي في جماهيرية شعره واقتباسات أبياته، ونال مكانةً كان قد تخيلها لنفسه حين تأبت عليه ظروفه في زمنه ثم انتصرت له الظروف بسبب كفاءةٍ في نصوصه وليس بسبب ظرف زائل. بينما سنلاحظ في واقعنا الثقافي حالات بلغت أعلى درجات الاستقبال، لكنها ما لبثت أن تلاشت وخرجت من الذاكرة، وهنا نحتكم لشرط الذاكرة، وهو شرط ينتمي للجماهيرية لأن الجماهير العريضة هي ذاكرة أي أمة فإذا تقبل الإنجليز شكسبير وتقبل العرب المتنبي، فهم هنا يمثلون ذاكرة الثقافة. وحسب كلمة ليفي شتراوس فإن الناقد لا يكتشف جمال النصوص، ولكنه يقول لنا لماذا الجميلُ جميلٌ. وهذه كلمةٌ عميقةٌ في فهم حالات القبول وحالات الصدود، فنحن نلحظ القبول ولسنا نكتشفه وإن تحول ذلك لصدودٍ فلعلة حدثت في القبول ثم صححها بالصدود. وهنا تأتي وظيفة (النجومية) وليس النجم، بما أن النجومية هي حالٌ ثقافية تنتظر حدثاً ما لتمنحه كرسياً يعتليه، ولكنه كرسي طبعه التموج إذ يعتليه شخصٌ أو أشخاص ويكونون نجوماً إلى أن تنتقل النجومية لغيرهم، فالنجومية ثابتة كعلامة ثقافية، بينما النجوم يتغيرون ويتبدلون (للتفصيل كتابي الثقافة التلفزيونية)، والوقائع الثقافية، مثل الوقائع العلمية، إذ يستجد أمرٌ تتطلبه الظروف كأن يأتي ابتكار علمي يستجيب لحالة تنتظره مثل لقاح كورونا، الذي كان الظرف ينتظره، ومثله النظريات في العلوم الإنسانية حين تنبثق نظريةٌ تقدم قراءةً مختلفة عن ظاهرة ما وكأن الظاهرة كانت تنتظر حدثاً كهذا. وهنا يلزمنا التفريق بين علاقة المتغير ودور الظرف في تعميمه فإن حمل المتغير مقوماته الخاصة فهو قيمة ستسود في زمنها أو في زمن يأتي، ولهذا لابد من التعويل في التقييم إلى المادة ذاتها، وهي وحدها البرهان أما إن كان الظرف وحده هو ما أشاعها، فإنها ستزول مع زوال الظرف، وهذا يجري لحال نجوم (السوشال ميديا) وهي نجوميةٌ متموجة بين فترة وأخرى في إزاحات متصلةٍ يزيح بعضهم بعضاً.
وهذه ظاهرةٌ ثقافية تحدث بسبب أنظمة التواصل العامة اليوم وسمتها السرعة والتبدل. وعلاقة الجماهير مع الظرف هي موعدٌ ثقافي لا نعرف توقيته إلا إذا شهدناه، وقد عرفنا ظرف المتنبي بين الإهمال ثم الانتشار وعرفنا نصه كحجةٍ له. وكل حال شيوع ٍ لن نعرف صدقها من زيفها إلا بفحص النص ذاته وقيمه، وهي البرهان، وتظل الجماهيرية قيمةً ثقافيةً عليا وكل جماهيري هو دليلٌ بحثي كما هو علامة تصف الذوق العام لأي أمة من الأمم.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/  جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©