السبت 14 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«الآهلة».. فنٌ إماراتي عابرٌ للتاريخ

فن «الآهلة» أحد الفنون الأدائية الشعبية المتوارثة في الإمارات (أرشيفية)
21 ديسمبر 2025 02:00

محمد عبدالسميع

حققت دولة الإمارات إنجازاً جديداً وكبيراً بنجاحها في إدراج أربعة عناصر جديدة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، وذلك خلال الاجتماع العشرين للجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، الذي عُقد في العاصمة الهندية نيودلهي، حيث أُدرج فن «الآهلة» كملف وطني ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، بوصفه أحد الفنون الأدائية الشعبية المتوارثة في الدولة، إلى جانب تسجيل «البشت»، و«زفة العروس»، و«الكحل» كملفات عربية مشتركة. 
ويُعد فن «الآهلة» فناً عريقاً، والاهتمام به من خلال دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي ينبع من مسؤولية وطنيّة ليكون حاضراً على منصّة العناصر التراثيّة العربية والعالمية، فيتم تأطيره وتعلّمه ومعرفة سياقاته الثقافيّة وأفكاره ومواضيعه العاطفية والوجدانيّة.
واللافت في ملفّ «الآهلّة»، أنّه فن خاص بالإمارات ومن صميم تراثها، وله طقوس وتحضيرات ويقال في أوقات معيّنة وطرق لها أصولها، ويحمل مسمّاه معناه، ومع أنّ تفسير هذه التسمية كان يختلف من باحث إلى آخر، لكنّ الشاهد الأقرب أنّه يشتمل في تركيبته على التعجّب من جمال الغناء، حيث تردد المجموعة ذلك تجاوباً مع روعة وجمال الغناء أو الإنشاد الشعري.

ونشطت منظمة اليونسكو في الفترة الأخيرة، بإدراج ملفّات ذات خصوصيّة محليّة وملفات عربية مشتركة على قائمتها للتراث العالمي، إذ سجّلت قبل أيّام مفردة «البشت»/ العباءة، على هذه القائمة، واليوم تدرج ملفّ أو مفردة «الآهلّة» بكلّ مسوغات الإدراج والحفاوة، كما سجّلت كملفات عربية مشتركة: زفّة العروس والكحل العربي، وعملت في السابق على ملفات ذات علاقة.
وتأتي جهود الإمارات في المبادرة إلى تسجيل تراثها على قائمة التراث العالمي، انطلاقاً من حفظ حقوق ملكيّتها لهذا التراث، ومن دور المؤسسة الثقافيّة الإماراتية في ترسيخ التراث والحفاظ عليه وجعله على المنصات العالميّة، كجزء من الوفاء لهذا التراث العريق، ومثيلاته من مفردات تراثيّة ثقافيّة.
وإذا كانت «الآه» تعبّر عن الإعجاب والطرب للغناء أو الإنشاد الذي يؤدّى، فإنّ هذا الفنّ هو من أقدم الفنون الإماراتيّة بعد فنّ «العيالة»، وهو مرتبط بهذه العيّالة، ومن ميزاته أنّه لا يشتمل على أيّة آلات موسيقية، ففيه حركة وغناء وشعر، ويجيء ما بين الغناء واللحن والرقص الشعبي.
ويستخدم فنّ الآهلّة في إحياء مناسبات الأفراح، وهناك أوزان لفظيّة وموسيقية، كما أنّه كما قلنا خضع للعديد من التفسيرات حول تسميته بـ«الآهلّة»، ولكنّ أقربها ربما يكون بسبب درجة الفرح به والإعجاب الذي ينطوي عليه، باعتباره فناً بحرياً، حيث كان النهّامون أو الصيّادون يقولونه لغايات عديدة، منها التوجّد على الأهل والمحبوب بطريقة غزليّة يصبّرون بها أنفسهم بشكل جماعي مميّز.
ولقي عدم استعمال الآلات الموسيقيّة في فن «الآهلّة»، تفسيرات عديدة، غير أنّ الأهمّ من ذلك هو طريقة إبداعه وإنشاده أو غنائه، حيث تؤدى «الآهلّة» بالجلوس على الأرض في مجموعتين، يتشكلون على هيئة دائرة وكل يضع عصاه على الأرض، حيث يصل رأسها في موازاة رأس الجالس، ثم تبدأ إحدى المجموعتين بأداء إحدى المقامات وتردد المجموعة الثانية نفس المقام، ثم يقفون ويعاودون أداء المقامات متقابلين، وقد يكون المؤدي واحداً أو أكثر، ثم ترد عليه الفرقة أو الطرف المقابل بكلمة آها الله، (وهي لازمة يرددها الطرف الآخر ومنها خرجت تسمية هذا الفن)، ويتبادلون إنشاد المقامات التي تؤدّى بعد صلاه المغرب، ويعتمد هذا الفنّ على لحن الكلمة، وقوة صوت المؤدي وتلوينه في بعث الفن لروح الجماعة.

الهجر والغزل

ويتناول فنّ «الآهلّة» مواضيع الهجر والتوبة والشكوى والغزل، وكلها أمور طريفة ومرغوبة، ومن مقامات الآهلّة في الهجر: ما لي عزا ولا لي صبر ما واحي/ يا بن على فرقا الضنين مصيبة/ خلاني طير كسير جناحي/ حالي نحل والناس ما تدريبه.  وفي التوبة والشفاعة يقولون: لو ما محمد ما سلمت لعبادي/ يشفع لنا يوم الحشر والموقف/ صلوا على طاعة نبينا الهادي/ إعداد ما هب النسيم ووقف. وفي الجانب الوجداني يقولون: قلبي تعلق شي ليواد/ لي في البلد ما ريت شرواه/ يارب تجعل البحر حد/ بازور خلى وين بلقاه. ونلاحظ تشابه القوافي في هذه المقطوعات، وكلها أبيات قصيرة، كما يؤديها أو يلقيها المؤدي بنَفَس إبداعي فرحاً بهذا الفنّ، حيث التراث الإماراتي غنيّ وأصيل في هذا المجال.

العودة للتراث

ومن خلال تسجيل هذا العنصر التراثي عالمياً، علينا أن نعود إليه، ونتفهّم ظروف إبداعه، والحنجرة القويّة التي كان يحتاج إليها، والاعتماد على الذات من دون موسيقى، وإبداع الكلمات أيضاً، وما كان يتمتّع به قائل أو مبدع فن «الآهلّة» من محفوظ كبير للشعر وقدرة على الارتجال، وكيف أنّ هذا الفنّ مرتبط فيما سبق بفنّ العيالة، ولذلك فالأجيال تحتاج أن تقام حول هذا العنصر التراثي ندوات ومؤتمرات وحوارات إعلامية ثقافية، ويتم التعريف به من خلال الشواهد والإبداعات القديمة التي يمكن أن تستمرّ اليوم، بل والبحث عن الرواة والمسنين الذين يحفظون قصائد قيلت على لون فنّ «الآهلّة».

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©