الاتحاد (أبوظبي)
أكد سعود عبدالعزيز الحوسني، وكيل دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، لـ«الاتحاد»، أنه في عالم يتميز بالتحولات المجتمعية والتغير التكنولوجي المتسارع، أصبحت تقاليد السرد أكثر أهمية من أي وقت مضى، فهي مرنة بما يكفي لتتطور معنا، وثابتة بما يكفي لتعزز هويتنا الجماعية. فالسرد هو البوصلة التي ترشدنا لنعي أهمية التعبير عن الهوية، لكونها تربطنا بماضينا وتوجهنا في تشكيل مستقبلنا.

ولفت الحوسني إلى أن هوية أبوظبي تشكلت منذ زمن طويل، قبل تأسيس المكتبات أو الأرشيفات أو المتاحف، حيث كان السرد ممارسة شفوية حية، منبثقة من الحياة اليومية ومتوارثة عبر الأجيال، فقد رسم الشعراء إيقاع الحياة في الصحراء، بينما حمل البحارة ذاكرة الساحل من خلال الأغاني، محافظين على المعرفة، ومعززين للقيم، وصانعين شعوراً مشتركاً بالانتماء. وقد ورثنا قصائد شعراء البحر الذين أدّوا «النهمة»، وهي أغنية شعبية بحرية تقليدية من منطقة الخليج العربي، إلى جانب «اليا مال» التي تُنشد أثناء التجديف خلال رحلات الغوص.
وتابع قائلاً: «كان الشعر، على وجه الخصوص، ركيزةً أساسيةً للهوية في منطقتنا، فمنذ عصر ما قبل الإسلام، وصولاً إلى شعراء العصرين الأموي والعباسي، حافظ الشعر على التراث وعبّر عن قيم الأجيال المتعاقبة، بوصفه مخزوناً وجدانياً ومعرفياً متصلاً بالأرض والإنسان. كما تتجلى قيمة الشعر كعنصرٍ ثمينٍ مرتبطٍ بوجداننا ووجودنا في قصائد الوالد المؤسّس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، الذي تمثّل الشعرُ لديه حاملاً للمعنى والذاكرة والجمال».
وأوضح الحوسني أن هذا الإرث الشفهي الغني انتقل تدريجياً إلى الكلمة المكتوبة، ففي زمنٍ كانت فيه الكتب كنوزاً نادرة، اكتُسبت معارف الأسلاف في الغالب شفهياً عبر الأئمة ومدارس تحفيظ القرآن (الكتاتيب)، حيث تعلّم الطلاب الأبجدية وعلوم الحساب الضرورية لشؤون الحياة اليومية والتجارة. وقد دعا المغفور له الشيخ زايد منذ وقت مبكر إلى الحفاظ على التراث الثقافي للدولة، ملهماً الجهود الأولى التي تطورت لاحقاً إلى عملٍ ثقافي مؤسسي.
وتعزِّز هذا المسار مع النهضة الثقافية الشاملة في أوائل السبعينيات، عبر إنشاء المدارس والجامعات، ومحطات الإذاعة والتلفزيون، وإطلاق البرامج الثقافية، ومجالس الشعراء، والملاحق الصحفية المخصصة للشعر النبطي، إلى جانب الأقسام الثقافية في المجلات التي ركّزت على التقاليد الشعبية. ونتيجةً لذلك، بدأت السرديات الشفهية تتحول إلى تقاليد أدبية مُسجّلة، ومؤرّخة، وموثّقة، ومتاحة للأجيال القادمة، مما أسهم في ترسيخ الوعي بالهوية الثقافية محلياً وعالمياً.
وفيما يتعلق بكيفية صون الإرث على المستوى المؤسسي، أوضح الحوسني أنه استناداً إلى هذا الموروث، تواصل دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي تقديم برامج ومبادرات تُعنى بالحفاظ على السرديات، وضمان انتقالها إلى الأجيال القادمة، وتعزيز حضورها في المحافل الإقليمية والدولية.
وإلى جانب ذلك، تُعَدُّ المنطقة الثقافية في السعديات اليوم امتداداً معاصراً لقوة السرد في أبوظبي، حيث تؤدي متاحفها دور رواة الحكايات، مشاركةً هوية الإمارة وثقافتها وقيمها مع العالم. وأشار الحوسني إلى أن «متحف زايد الوطني» يروي قصة دولة الإمارات وشعبها، ويبرز التاريخ العميق لهذه الأرض ورؤيتها لمستقبل مشرق من خلال سرد غامر يستند إلى القيم الوطنية.