السبت 16 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

نزار قبيلات يكتب: الكتابة عمل شاق

نزار قبيلات يكتب: الكتابة عمل شاق
16 مايو 2026 18:23

في حقبة سابقة ألحّت عليّ فكرة غريبة تكمن في مطاردة أسباب الكتابة ودواعيها عند بعض الكتّاب والروائيين تحديداً، وذلك من خلال رصد شهاداتهم الإبداعية وأعمالهم الفنية، فكرة وصلت إلى حدّ التلصّص على طقوس الكتابة والتأمل والمحايثة عندهم، فقد توصّلتُ حينها لنتائج مختلفة سوى ما كنت أظنه، من أهمها أن الكتابة ليست كما اعتقدتُ مسبقاً بأنها مسؤولية وترف فكري وارتقاء علمي، ذلك أن الكتابة - ولكي نتفق مبدئياً - تحتاج إلى ذخيرة معرفية ولسان ناطق ومعجم أسلوبي يكشف هويةَ الكاتب وروافده ومرجعياته الثقافية، فالكتابة مواجهة صريحة مع الآخر ببصيرة جعلت ذات الكاتب في العراء قبل أن يدشّن مقاله أو كتابه أو عمله الفني الذي سيسكنه ربما لمدة وجيزة، فالكاتب لا يقصد التزويق والفرادة في عمله، فهو يقول لنفسه قبل أن يقول للآخرين ما دام يستخدم ضمير المتكلم ومنظوره الخاصين، فالكاتب يحاكي بداية عالمه الذاتي الخاص مهما بدا مطّلعاً وعارفاً بكل ما حوله أو بما يقصده، إذ الكتّاب عادة يستخدمون ألفاظهم وأدواتهم وبها يتحسّسون العالم الخارجي الذي لا شكّ كتبوا له أو كتبوا عنه من واقع الريبة والشك وعدم الاطمئنان، والكتابة وفق هذا التصوّر سفرٌ يشقّ فيه الكاتب أفق الانتظار والتوجس والحقيقة التي مهما كتبَ عنها ستظل نسبية من وجهة نظره.
أحد كتّاب القصة المعروفين ذكر في إحدى شهاداته الإبداعية أنه يكتب لأن ثمة شيئاً يزعجه، وآخر قال اكتب لكي أنجو، والسؤال ممّ ينجو الكاتب حين يكتب؟ وهل ثمّة مطاردة وهواجس تلاحق الكاتب؟ والغريب في الأمر أن الكاتب يُخفي عنّا هوية مَن يطارده، أو من يدفعه للكتابة، ومن أجمل التعبيرات التي قرأتها عن فعل الكتابة بأنها استعمال شخصي للغة، وأنها هدنة مؤقتة، وأنها صفقة تُعقد مع الأزل والخالد والوجودي، فالكتّاب يثبتون شيئاً ما في الوقت الذي نظن بأنهم يكتبون بدافع السعادة والمتعة والترف، وهناك من شبّه الكتابة بالولادة العسيرة، وبالوقوف أمام مذبح العبارات والمعاني والدلالات المكتشفة، كل هذا يشير إلى شيء، وهو أن الكتابة لم تكن يوماً إلا عملاً عسيراً وممارسة إنسانية لا يدركها بعض المتهافتين عليها، لكن هل يدرك الكُتاب وحتى روّاد فنون النحت والرسم والموسيقى أنهم لا يصنعون شيئاً نهائياً بعد، وأن مكابدة الكتابة تكمن في ولادة الأسئلة حتى حين نجيب عنها؟

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©